ذلك ، ولا يدخل على الفعل ، فلما دخلت ما عليها ، سوغت لها الدخول على
الفعل . فمن ذلك قوله * ( ربما يود الذين كفروا ) * فوقع الفعل بعدها في الآية ، وهو
على لفظ المضارع ، ووقع في قوله ربما أوفيت في علم على لفظ الماضي ، وهكذا
ينبغي في القياس ، لأنها تدل على أمر قد مضى ، وإنما وقع في الآية على لفظ
المضارع ، لأنه حكاية لحال آتية ، كما أن قوله : * ( إن ربك ليحكم بينهم ) * حكاية
لحال آتية ، ومن حكاية الحال قول القائل :
جارية في رمضان الماضي * تقطع الحديث بالإيماض ( 1 )
ومن زعم أن الآية على إضمار كان ، وتقديره ربما كان يود ، فقد خرج بذلك
عن قول سيبويه . ألا ترى إن كان لا يضمره ، ولم يجز عبد الله المقتول ، وأنت تريد
كن عبد الله المقتول . فأما اضمارها بعد إن في قولهم : ان خيرا فخير ، فإنما جاز
ذلك لاقتضاء الحرف له ، فصار اقتضاء الحرف له كذكره ، فأما ما أنشده ابن حبيب
لنبهان بن مسور :
لقد رزيت كعب بن عوف ، وربما * فتى لم يكن يرضى بشئ يضيمه
فإن قوله فتى في ربما فتى يحتمل ضروبا أحدها : أن يكون لما جرى ذكر
رزيت ، استغنى بجري ذكره من أن يعيده ، فكأنه قال : ربما رزيت فتى ، فيكون
انتصاب فتى برزيت هذه المضمرة ، كقوله : * ( الآن وقد عصيت قبل ) * ، فاستغنى
بذكر آمنت له المتقدم عن إظهاره بعد ، وقد يجوز أن ينتصب فتى برزيت هذه
المذكورة ، كأنه قال : لقد رزيت كعب بن عوف فتى ، وربما لم يكن يرضى أي :
رزئت فتى لم يكن يضام ، ويكون هذا الفصل في أنه أجنبي بمنزلة قوله : ( أبو أمه
في أبوه يقاربه ) ( 2 ) .
وقد يجوز أن يكون مرتفعا بفعل مضمر ، كأنه قال : ربما لم يرض فتى كقوله :
( وقلما وصال على طول الصدود يدوم ) ( 3 ) . ويجوز أن يكون ما نكرة بمنزلة شئ ،
هامش
( 1 ) أومضت المرأة : سارقت النظر أي : إذا تبسمت قطع الناس حديثهم ، ونظروا إلى ثغرها .
وقيل : يعني أن الناس كانوا يتحدثون فنظرت إليهم فاشتغلوا لحسن نظرها عن الحديث .
( 2 ) قائله الفرزدق وقبله : ( وما مثله في الناس إلا مملكا ) والشعر مذكور في ( جامع الشواهد ) .
( 3 ) تمام البيت : ( صددت فأطولت الصدود وقلما * وصال ( آه ) وهو من شواهد كتب سيبويه .