تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مجمع البيان — صفحة 310

مساهمون:

ص٣١٠
في إنزاله فقال : * ( لينذر بأسا شديدا من لدنه ) * ومعناه : ليخوف العبد الذي أنزل عليه الكتاب الناس عذابا شديدا ، ونكارا ، وسطوة من عند الله تعالى ، إن لم يؤمنوا به * ( ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا ) * معناه : وليبشر المصدقين بالله ورسوله ، الذين يعملون الطاعات بعد الإيمان ، ان لهم ثوابا حسنا في الآخرة على إيمانهم وطاعاتهم في الدنيا ، وذلك الثواب هو الجنة * ( ماكثين فيه أبدا ) * أي : لابثين في ذلك الثواب ، خالدين مؤبدين ، لا ينتقلون عنه * ( وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ) * أي : وليحذر الكفار الذين قالوا الملائكة بنات الله ، وهم قريش ، عن الحسن ، ومحمد بن إسحاق . وقيل : هم اليهود والنصارى ، عن السدي ، والكلبي . فعم جميع الكفار بالإنذار في الآية الأولى ، وخص في هذه الآية القائلين بهذه المقالة منهم ، لتقليدهم الآباء في ذلك ، ولاصرارهم على الجهل ، وقلة التفكر ، ولصدهم الناس عن الدين * ( ما لهم به من علم ولا لآبائهم ) * أي : ليس لهؤلاء القائلين بهذا القول الشنيع علم به ، ولا لأسلافهم الذين مضوا قبلهم على مثل ما هم عليه اليوم ، وإنما يقولون ذلك عن جهل وتقليد من غير حجة . وقيل : معناه ليس لهم بالله من علم ، ولا لآبائهم . * ( كبرت كلمة تخرج من أفواههم ) * أي : عظمت الكلمة كلمة تخرج من أفواه هؤلاء الكفار ، ووصف الكلمة بالخروج من الأفواه توسعا ومجازا ، وإن كانت الكلمة عرضا لا يجوز عليها الدخول والخروج ، ولا الحركة والسكون ، ولكن لما كانت الكلمة قد تحفظ وتثبت ، وتوجد مكتوبة ومقروءة في غير الموضع الذي فعلت فيه ، وصفها بالخروج ، وذكر الأفواه تأكيدا ، والمعنى أنهم صرحوا بهذه الكلمة العظيمة في القبح ، وأظهروها * ( إن يقولون إلا كذبا ) * أي : ما يقول هؤلاء إلا كذبا وافتراء على الله * ( فلعلك ) * يا محمد * ( باخع نفسك على آثارهم ) * أي مهلك وقاتل نفسك على آثار قومك الذين قالوا : لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ، تمردا منهم على ربهم * ( إن لم يؤمنوا ) * أي : إن لم يصدقوا * ( بهذا الحديث ) * أي : بهذا القرآن الذي أنزل عليك * ( أسفا ) * أي حزنا وتلهفا ووجدا ، بادبارهم عنك ، وإعراضهم عن قبول ما آتيتهم به . وقيل : على آثارهم أي : بعد موتهم لشدة شفقتك عليهم . وقيل : معناه من بعد توليتهم وإعراضهم عنك . وقيل : أسفا أي غيظا وغضبا ، عن ابن عباس ، وقتادة . وهذه معاتبة من الله سبحانه لرسوله على شدة وجده ، وكثرة حرصه على إيمان قومه ، حتى بلغ ذلك به مبلغا يقربه إلى الهلاك .