تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مجمع البيان — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
وتعالى عما يقولون . وأما قوله * ( تسبح له السماوات ) * فكل واحد من الياء والتاء حسن . المعنى : ثم احتج سبحانه على الذين تقدم ذكرهم ، فقال : * ( ولقد صرفنا ) * أي : كررنا الدلائل ، وفصلنا المعاني ، والأمثال ، وغير ذلك مما يوجب الاعتبار به * ( في هذا القرآن ليذكروا ) * أي : ليتفكروا فيها ، فيعلموا الحق . وحذف ذكر الدلائل والعبر ، لدلالة الكلام عليه وعلم السامع به * ( وما يزيدهم إلا نفورا ) * أي : وما يزداد هؤلاء الكفار عند تصريف الأمثال والدلائل لهم إلا تباعدا عن الاعتبار ، ونفورا عن الحق . وأضاف النفور إلى القرآن ، لأنهم ازدادوا النفور عند نزوله كقوله * ( فلم يزدهم دعائي إلا فرارا ) * . فإن قيل : إذا كان المعلوم أنهم يزدادون النفور عند إنزال القرآن ، فما المعنى في إنزاله ؟ وما وجه الحكمة فيه ؟ قيل : الحكمة فيه إلزام الحجة ، وقطع المعذرة في إظهار الدلائل التي تحسن التكليف ، وأنه يصلح عند إنزاله جماعة ما كانوا يصلحون عند عدم إنزاله ، ولو لم ينزل لكان هؤلاء الذين ينفرون عن الإيمان ، يفسدون بفساد أعظم من هذا النفور . فالحكمة اقتضت إنزاله لهذه المعاني ، وإنما ازدادوا نفورا عند مشاهدة الآيات والدلائل ، لاعتقادهم أنها شبه ، وحيل ، وقلة تفكرهم فيها . * ( قل ) * يا محمد لهؤلاء المشركين : * ( لو كان معه آلهة كما يقولون ) * هم ، أو تقولون أنتم على القراءتين * ( إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا ) * أي : لطلبوا طريقا يقربهم إلى مالك العرش ، والتمسوا الزلفة عنده ، لعلمهم بعلوه عليهم ، وعظمته ، عن مجاهد ، وقتادة . وقال أكثر المفسرين : معناه لطلبوا سبيلا إلى معازة مالك العرش ، ومغالبته ، ومنازعته ، فإن المشتركين في الإلهية يكونان متساويين في صفات الذات ، ويطلب أحدهما مغالبة صاحبه ، ليصفو له الملك . وفي هذا إشارة إلى دليل التمانع . ثم نزه سبحانه نفسه من أن يكون له شريك في الإلهية ، فقال : * ( سبحانه وتعالى عما يقولون ) * أي : عن قولهم * ( علوا كبيرا ) * وإنما لم يقل تعاليا كبيرا ، لأنه وضع مصدر مكان مصدر ، نحوه قوله : * ( تبتل إليه تبتيلا ) * . ومعنى تعالى أن صفاته في أعلى المراتب ، ولا مساوي له فيها ، لأنه قادر لا أحد أقدر منه ، وعالم لا أحد أعلم منه وخص العرش بإضافته إليه تعظيما للعرش . ويجوز أن يريد بالعرش الملك . * ( تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن ) * معنى التسبيح هاهنا : الدلالة