تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مجمع البيان — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
لأن منه ما هو شديد البياض ، ومنه ما هو أصفر ، ومنه ما يضرب إلى الحمرة ، وذلك أن النحل تتناول ألوانا مختلفة من النبات والزهر ، فيجعلها الله تعالى عسلا على ألوان مختلفة ، يخرج من بطونها إلا أنها تلقيه من أفواهها ، كالريق الذي يخرج من فم ابن آدم . وإنما قال سبحانه * ( من بطونها ) * ، ولم يقل من فيها ، لئلا يظن أنها تلقيه من فيها ، ولم يخرج من بطنها * ( فيه شفاء للناس ) * من الأدواء ، عن قتادة . وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال : عليكم بالشفاءين : القرآن والعسل . وقيل : معناه فيه شفاء للأوجاع التي شفاؤها فيه ، عن السدي ، والحسن . وروي عن مجاهد : أن الهاء في * ( فيه ) * راجعة إلى القرآن ، أي : القرآن فيه شفاء للناس ، يعني ما فيه من الحلال والحرام ، والفتيا والأحكام . والأول قول أكثر المفسرين ، وهو الأقوى ، إذ لم يسبق للقرآن ذكر . وفي النحل والعسل وجوه من الاعتبار ، منها : اختصاصه بخروج العسل من فيه . ومنها : جعل الشفاء من موضع السم ، فإن النحل يلسع . ومنها : ما ركب الله من البدائع ، والعجائب فيه ، وفي طباعه . ومن أعجبها أن جعل سبحانه لكل فئة يعسوبا هو أميرها ، يقدمها ، ويحامي عنها ، ويدبر أمرها ، ويسوسها ، وهي تتبعه ، وتقتفي أثره . ومتى فقدته انحل نظامها ، وزال قوامها ، وتفرقت شذر مذر ، وإلى هذا المعنى فيما قال أشار أمير المؤمنين عليه السلام في قوله : أنا يعسوب المؤمنين . * ( إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ) * معناه : ان فيما ذكرناه من بدائع صنع الله تعالى ، دلالة بينة لمن تفكر فيه . ثم بين نعمته علينا في خلقنا ، وأخرجنا من العدم إلى الوجود فقال : * ( والله خلقكم ) * أي : أوجدكم ، وأنعم عليكم بضروب النعم الدينية والدنيوية * ( ثم يتوفاكم ) * ويقبضكم أي : يميتكم * ( ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ) * أي : أدون العمر وأوضعه ، أي : يبقيه حتى يصير إلى حال الهرم والخرف ، فيظهر النقصان في جوارحه ، وحواسه ، وعقله . ورووا عن علي عليه السلام : إن أرذل العمر خمس وسبعون سنة . وروي في مثل ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وعن قتادة : تسعون سنة * ( لكيلا يعلم بعد علم شيئا ) * أي : ليرجع إلى حال الطفولية بنسيان ما كان علمه ، لأجل الكبر ، فكأنه لا يعلم شيئا مما كان علمه . وقيل : ليقل علمه بخلاف ما كان عليه في حال شبابه * ( إن الله عليم ) * بمصالح عباده * ( قدير ) * على ما يشاء من تدبيرهم ، وتقدير أحوالهم .
تفسير مجمع البيان — صفحة 177 | الشيخ الطبرسي / لجنة من العلماء والمحققين الأخصائيين