يقاتلوا إلا يوم بدر خاصة ، عن الجبائي . ( وعذب الذين كفروا ) بالقتل ، والأسر ،
وسلب الأموال ، والأولاد ، ( وذلك جزاء الكافرين ) أي : وذلك العذاب جزاء
الكافرين على كفرهم ، ( ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء ) : ذكر سبحانه ثم
في ثلاثة مواضع متقاربة الأول . ( ثم وليتم مدبرين ) عطف على ما قبله من الفعل ، وهو
قوله ( ضاقت عليكم ) والثاني : ( ثم أنزل الله سكينته ) عطف على ( وليتم مدبرين ) .
والثالث : ( ثم يتوب الله ) عطف على ( أنزل ) ، وإنما حسن عطف المستقبل على
الماضي ، لأن يشاكله ، فإن الأول تذكير بنعمة الله ، والثاني وعد بنعمة الله .
والمعنى ثم يقبل الله توبة من تاب عن الشرك ، ورجع إلى طاعة الله والإسلام ،
وندم على ما فعل من القبيح . ويجوز أن يريد : ثم يقبل الله توبة من انهزم من بعد
هزيمته . ويجوز أن يريد : يقبل توبتهم عن اعجابهم بالكثرة ، وإنما علقه بالمشيئة
لأن قبول التوبة تفضل من الله ، ولو كان واجبا على ما قاله أهل الوعيد لما جاز تعليقه
بالمشيئة ، كما لا يجوز تعليق الثواب على الطاعة بالمشيئة ، ومن خالف في ذلك
قال : إنما علقها بالمشيئة لأن منهم من له لطف يصلح به ، ويتوب ويؤمن عنده ،
ومنهم من لا لطف له منه ( والله غفور ) أي : ستار للذنوب ( رحيم ) بعباده .
القصة : ذكر أهل التفسير ، وأصحاب السير ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما فتح
مكة خرج منها متوجها إلى ( حنين ) لقتال هوازن وثقيف ، في آخر شهر رمضان ، أو
في شوال ، من سنة ثمان من الهجرة . وفد اجتمع رؤساء هوازن إلى مالك بن عوف
النصري ، وساقوا معهم أموالهم ، ونساءهم ، وذراريهم ، ونزلوا بأوطاس ( 1 ) . وقال :
وكان دريد بن الصمة في القوم ، وكان رئيس جشم ، وكان شيخا كبيرا قد ذهب بصره
من الكبر ، فقال : بأي واد أنتم ؟ قالوا : بأوطاس ( 1 ) . قال : نعم مجال الخيل لا حزن
ضرس ، ولا سهل دهس ( 2 ) ، مالي أسمع رغاء البعير ، ونهيق الحمير ، وخوار البقر ،
وثغاء الشاة ، وبكاء الصبيان ؟ فقالوا : إن مالك بن عوف ساق مع الناس أبناءهم ،
وأموالهم ، ونساءهم ، ليقاتل كل منهم عن أهله وماله . فقال دريد : راعي ضأن ورب
الكعبة .
هامش
( 1 ) أوطاس : واد بديار هوازن ، جنوبي مكة بنحو ثلاث مراحل ، وهي من النوادر التي جاء بلفظ
الجمع الواحد .
( 2 ) الحزن - بالفتح : المكان الغليظ الخشن . والضرس : الأكمة الخشنة الغليظة الخشن كأنها
مضرسة . والدهس : ما سهل ولان من الأرض ، ولم يبلغ أن يكون رملا .