بالسيف حتى آمنتما بالله ورسوله ! فقام العباس مغضبا يجر ذيله حتى دخل على رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقال : أما ترى إلى ما يستقبلني به علي ؟ فقال : ادعوا لي عليا ، فدعي
له ، فقال : ما حملك على ما استقبلت به عمك ؟ فقال يا رسول الله ! صدمته
بالحق ، فمن شاء فليغضب ، ومن شاء فليرض ! فنزل جبرائيل عليه السلام ، فقال : يا
محمد ! إن ربك يقرأ عليك السلام ، ويقول أتل عليهم : ( أجعلتم سقاية الحاج )
الآيات . فقال العباس : إنا قد رضينا ثلاث مرات .
وفي تفسير أبي حمزة أن العباس لما أسر يوم بدر ، أقبل عليه أناس من
المهاجرين والأنصار ، فعيروه بالكفر ، وقطيعة الرحم ، فقال : ما لكم تذكرون
مساوءنا ، وتكتمون محاسننا ؟ قالوا : وهل لكم من محاسن ؟ قال : نعم والله لنعمر
المسجد الحرام ، ونحجب الكعبة ، ونسقي الحاج ، ونفك العاني ( 1 ) . فأنزل الله
تعالى : ( ما كان للمشركين أن يعمروا ) إلى آخر الآيات .
المعنى : ( أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله ) هذا
استفهام معناه الانكار أي : لا تجعلوا ، وفيه حذف يدل الكلام عليه ، وتقديره أجعلتم
أهل سقاية الحاج ، وأهل عمارة المسجد الحرام ، كمن آمن بالله ، حتى يكون مقابلة
الشخص ، أو يكون تقديره : أجعلتم السقاية والعمارة كإيمان من آمن بالله . حتى
تكون مقابلة الفعل بالفعل . وسقاية الحاج : سقيهم الشراب . قال الحسن : وكان
نبيذ زبيب يسقون الحاج في الموسم ، بين الله سبحانه أنه لا يقابل هذه الأشياء
بالإيمان بالله ( واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله ) وبالجهاد في سبيله ، فإنه لا مساواة
بين الأمرين ( لا يستوون عند الله ) في الفضل والثواب . ( والله لا يهدي ) إلى طريق
ثوابه ( القوم الظالمين ) كما يهدي إليه من كان عارفا به ، فاعلا لطاعته ، مجتنبا
لمعصيته .
ثم ابتدأ سبحانه فقال ( الذين آمنوا ) أي : صدقوا ، واعترفوا بوحدانية الله ،
( وهاجروا ) أوطانهم التي هي دار الكفر إلى دار الاسلام ، ( وجاهدوا في سبيل الله )
أي : تحملوا المشاق في ملاقاة أعداء الدين ، ( بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله ) من غيرهم من المؤمنين الذين لم يفعلوا هذه الأشياء ، ( وأولئك هم الفائزون )
هامش
( 1 ) العاني : الأسير ، وكل من ذل ، واستكان ، وخضع .