تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مجمع البيان — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
وهذا كالتسلية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم . ( فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ) معناه : فهلا تضرعوا إذ جاءهم بأسنا ، ( ولكن قست قلوبهم ) فأقاموا على كفرهم ، فلم تنجع فيهم العظة ، ( وزين لهم الشيطان ) بالوسوسة ، والإغراء بالمعصية ، لما فيها من عاجل اللذة ، ( ما كانوا يعملون ) يعني : أعمالهم . وفي هذا حجة على من قال : إن الله لم يرد من الكافرين الإيمان ، لأنه سبحانه بين أنه إنما فعل ذلك بهم ليتضرعوا ، وبين أن الشيطان هو الذي زين الكفر للكافر ، بخلاف ما قالته المجبرة من أنه تعالى هو المزين لهم ذلك . ( فلما نسوا ما ذكروا به ) أي : تركوا ما وعظوا به ، عن ابن عباس ، وتأويله : تركوا العمل بذلك ، وقيل : تركوا ما دعاهم إليه الرسل ، عن مقاتل ( فتحنا عليهم أبواب كل شئ ) أي : كل نعمة وبركة من السماء والأرض ، عن ابن عباس . وقيل : أبواب كل شئ كان مغلقا عنهم ، من الخير ، عن مقاتل . والمعنى أنه تعالى امتحنهم بالشدائد ، لكي يتضرعوا ويتوبوا ، فلما تركوا ذلك ، فتح عليهم أبواب النعم والتوسعة في الرزق ، ليرغبوا بذلك في نعيم الآخرة . وإنما فعل ذلك بهم ، وإن كان الموضع موضع العقوبة والانتقام ، دون الإكرام والإنعام ، ليدعوهم ذلك إلى الطاعة ، فإن الدعاء إلى الطاعة يكون تارة بالعنف ، وتارة باللطف ، أو لتشديد العقوبة عليهم بالنقل من النعيم إلى العذاب الأليم . ( حتى إذا فرحوا بما أوتوا ) من النعيم واشتغلوا بالتلذذ ، وأظهروا السرور بما أعطوه ، ولم يروه نعمة من الله تعالى حتى يشكروه ( أخذناهم ) أي : أحللنا بهم العقوبة ( بغتة ) أي : مفاجأة من حيث لا يشعرون ( فإذا هم مبلسون ) أي : آيسون من النجاة والرحمة ، عن ابن عباس . وقيل : أذلة خاضعون عن البلخي . وقيل : متحيرون منقطعو الحجة ، والمعاني متقاربة والمراد بقوله ( أبواب كل شئ ) التكثير والتفخيم دون التعميم ، وهو مثل قوله : ( وأوتيت من كل شئ ) والمراد : فتحنا عليهم أبواب أشياء كثيرة ، وآتيناهم خيرا كثيرا ، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : إذا رأيت الله تعالى يعطي على المعاصي ، فإن ذلك استدراج منه ثم تلا هذه الآية ، ونحوه ما روي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال : يا ابن آدم ! إذا رأيت ربك يتابع عليك نعمه فاحذره . ( فقطع دابر القوم الذين ظلموا ) معناه : فاستؤصل الذين ظلموا بالعذاب ، فلم