تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مجمع البيان — صفحة 409

مساهمون:

ص٤٠٩
اختلف في من يرجع الضمير الذي في جعلا إليه على وجوه أحدها : إنه يرجع إلى النسل الصالح أي : المعافى في الخلق والبدن ، لا في الدين ، وإنما ثنى لأن حواء كانت تلد في كل بطن ذكرا وأنثى ، يعني أن هذا النسل الذين هم ذكر وأنثى ، جعلا له شركاء فيما أعطاهما من النعمة ، فأضافا تلك النعم إلى الذين اتخذوهم آلهة مع الله تعالى ، من الأصنام والأوثان ، عن الجبائي . وثانيها : إنه يرجع إلى النفس وزوجها من ولد آدم لا إلى آدم وحواء ، عن الحسن ، وقتادة ، وهو قول الأصم قال : ويكون المعنى في قوله ( خلقكم من نفس واحدة ) خلق كل واحد منكم من نفس واحدة ، ولكل نفس زوج هو منها أي : من جنسها ، كما قال سبحانه : ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها ) فلما تغشى كل نفس زوجها ( حملت حملا خفيفا ) وهو ماء الفحل ( فلما أثقلت ) بمصير ذلك الماء لحما ، ودما ، وعظما دعا الرجل والمرأة ربهما لئن آتيتنا صالحا أي : ذكرا سويا . ( لنكونن من الشاكرين ) ، وكانت عادتهم أن يئدوا البنات ( 1 ) ، فلما آتاهما يعني الأب والأم ، صالحا ، جعلا له شركاء فيما آتاهما ، لأنهم كانوا يسمون عبد العزى ، وعبد اللات ، وعبد منات ، ثم رجعت الكناية إلى جميعهم في قوله ( فتعالى الله عما يشركون ) فالكناية في جميع ذلك غير متعلقة بآدم وحواء ، ولو كانت متعلقة بهما ، لقال عما يشركان . وقال أبو مسلم : تقدير الآية هو الذي خلقكم ، والخطاب لجميع الخلق من نفس واحدة ، يعني : آدم ، وجعل من ذلك النفس زوجها ، وهي حواء ، ثم انقضى حديث آدم وحواء ، وخص بالذكر المشركين من أولاد آدم ، الذين سألوا ما سألوا ، وجعلوا له شركاء فيما آتاهم ، قال : ويجوز أن يذكر العموم ، ثم يخص البعض بالذكر ، ومثله كثير في الكلام : قال الله تعالى : ( هو الذي يسيركم في البر والبحر ) حتى إذا كنتم في الفلك ( وجرين بهم بريح طيبة ) فخاطب الجماعة بالتسيير ، ثم خص راكب البحر بالذكر ، وكذلك هذه الآية أخبرت عن جملة البشر ، بأنهم مخلوقون من آدم وحواء ، ثم عاد الذكر إلى الذي سأل الله تعالى ما سأل ، فلما أعطاه إياه ، ادعى له شركاء في عطيته ، قال : وجائز أن يكون عنى بقوله ( هو الذي خلقكم من نفس واحدة ) : المشركين خصوصا ، إذا كان كل واحد من بني آدم مخلوقا من نفس واحدة وزوجها ،
هامش
( 1 ) وأد البنت : دفنها في التراب وهي حية .
تفسير مجمع البيان — صفحة 409 | الشيخ الطبرسي / لجنة من العلماء والمحققين الأخصائيين