تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مجمع البيان — صفحة 411

مساهمون:

ص٤١١
وهم يخلقون ) وفي خبرهم أنهما أشركا إبليس اللعين فيما ولد لهما بأن سموه عبد الحرث ، وليس في ظاهر الآية لإبليس ذكر . وحكى البلخي عن جماعة من العلماء أنهم قالوا : لو صح الخبر لم يكن في ذلك إلا إشراكا في التسمية ، وليس ذلك بكفر ولا معصية ، واختاره الطبري ، وروى العياشي في تفسيره عنهم عليهم السلام : أنه كان شركهما شرك طاعة ، ولم يكن شرك عبادة وقوله ( أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون ) توبيخ وتعنيف للمشركين ، بأنهم يعبدون مع الله تعالى جمادا ، لا يخلق شيئا من الأجسام ، ولا ما يستحق به العبادة ، وهم مع ذلك مخلوقون محدثون ، ولهم خالق خلقهم ، وإن خرج الكلام مخرج الاستفهام ، ولفظة ( ما ) إنما تستعمل فيما لا يعقل ، فدل ذلك على أن المراد بقوله ( جعلا له شركاء ) أنهم أشركوا الأصنام مع الله تعالى ، لا ما ذكروه من إشراك إبليس وإنما قال : ( وهم يخلقون ) : على لفظ العقلاء ، وإن كانت الأصنام جمادا ، لأنه أراد به الأصنام والعابدين لها جميعا ، فغلب ما يعقل على ما لا يعقل . ويجوز أن يكون على أنهم يعظمونها تعظيم من يعقل ، ويصورونها على صورة من يعقل ، فكنى عنهم كما يكني عن العقلاء كقوله ( والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ) . ( ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون ) أي : ويشركون به ، ويعبدون من لا يستطيع نصر عابديه ، ولا نصر نفسه ، بأن يدفع عن نفسه من أراد به الضر ، ومن هذه صورته فهو في غاية العجز ، فكيف يكون إلها معبودا ( وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم ) قيل معناه : وإن دعوتم الأصنام التي عبدوها إلى الهدى ، فإنها لا تقبل الهدى ، عن أبي علي الجبائي . بين بذلك ضعف أمرها ، بأنها لا تهدي غيرها ، ولا تهتدي بأنفسها ، وإن دعيت إلى الهدى ، وقيل معناه : إن دعوتم المشركين الذين أصروا على الكفر إلى دين الحق ، لم يؤمنوا ، وهو نظير قوله ( سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ) عن الحسن ( سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون ) أي : سواء عليكم دعاؤهم ، والسكوت عنهم ، وإنما قال ( أم أنتم صامتون ) ولم يقل أم صمتم ، فيكون في مقابل أدعوتموهم ليفيد الماضي والحال ، فإن المقابلة كانت تدل على الماضي فحسب ، وصورة اللفظ تدل على معنى الحال ، ومثله قول الشاعر :