تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مجمع البيان — صفحة 391

مساهمون:

ص٣٩١
تعالى قال : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم ) ولم يقل من آدم ، وقال ، ( من ظهورهم ) ، ولم يقل من ظهره ، وقال : ( ذريتهم ) ، ولم يقل ذريته ، ثم أخبر تعالى بأنه فعل ذلك لئلا يقولوا إنهم كانوا عن ذلك غافلين ، أو يعتذروا بشرك آبائهم ، وأنهم نشأوا على دينهم ، وهذا يقتضي أن يكون لهم آباء مشركون ، فلا يتناول الظاهر ولد آدم لصلبه ، وأيضا فإن هذه الذرية المستخرجة من صلب آدم ، لا يخلو إما أن جعلهم الله عقلاء ، أو لم يجعلهم كذلك ، فإن لم يجعلهم عقلاء ، فلا يصح أن يعرفوا التوحيد ، وأن يفهموا خطاب الله تعالى ، وإن جعلهم عقلاء وأخذ عليهم الميثاق ، فيجب أن يتذكروا ذلك ، ولا ينسوه ، لأن أخذ الميثاق لا يكون حجة على المأخوذ عليه ، إلا أن يكون ذاكرا له ، فيجب أن نذكر نحن الميثاق ، ولأنه لا يجوز أن ينسى الجمع الكثير ، والجم الغفير من العقلاء ، شيئا كانوا عرفوه وميزوه ، حتى لا يذكره واحد منهم ، وإن طال العهد ، ألا ترى أن أهل الآخرة يعرفون كثيرا من أحوال الدنيا ، حتى يقول أهل الجنة لأهل النار : ( أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا ) ولو جاز أن ينسوا ذلك مع هذه الكثرة ، لجاز أن يكون الله تعالى ، قد كلف الخلق فيما مضى ، ثم أعادهم إما ليثيبهم وإما ليعاقبهم ، ونسوا ذلك ، وذلك يؤدي إلى التجاهل ، وإلى صحة مذهب التناسخية . وحكي عن علي بن عيسى ، عن أبي بكر بن الأخشيد أنه جوز أن يكون خبر الذر صحيحا ، غير أنه قال : ليس تأويل الآية على ذلك ، ويكون فائدته أنه إنما فعل ذلك ليجروا على الأعراق الكريمة ، في شكر النعمة ، والإقرار لله تعالى بالربوبية ، كما روي أنهم ولدوا على الفطرة . وحكي أبو الهذيل في كتاب الحجة أن الحسن البصري وأصحابه ، كانوا يذهبون إلى أن نعيم الأطفال في الجنة ثواب عن الإيمان في الذر . وثانيها : إن المراد بالآية أن الله سبحانه ، أخرج بني آدم من أصلاب آبائهم إلى أرحام أمهاتهم ، ثم رقاهم درجة بعد درجة ، وعلقة ، ثم مضغه ، ثم أنشأ كلا منهم بشرا سويا ، ثم حيا مكلفا ، وأراهم آثار صنعه ، ومكنهم من معرفة دلائله ، حتى كأنه أشهدهم . وقال لهم : ألست بربكم ؟ فقالوا : بلي . هذا يكون معنى أشهدهم على أنفسهم : دلهم بخلقه على توحيده ، وإنما أشهدهم على أنفسهم بذلك ، لما جعل في عقولهم من الأدلة على وحدانيته ، وركب فيهم من عجائب