تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مجمع البيان — صفحة 351

مساهمون:

ص٣٥١
المعنى : ثم ذكر سبحانه حديث الميقات ، فقال : ( ولما جاء موسى لميقاتنا ) معناه : ولما انتهى موسى إلى المكان الذي وقتناه له ، وأمرناه بالمصير إليه ، لنكلمه ، وننزل عليه التوراة . ويمكن أن يكون المراد بالميقات : الزمان الذي وقته الله تعالى له ، أن يأتي ذلك المكان فيه ، فإن لفظ الميقات كما يقع على الزمان ، يقع على المكان ، كمواقيت الإحرام ، فإنها للأمكنة التي لا يجوز مجاوزتها لأهل الآفاق ، إلا وهم محرمون . ( وكلمه ربه ) من غير سفير أو وحي ، كما كان يكلم الأنبياء على ألسنة الملائكة ، ولم يذكر من أي موضع أسمعه كلامه ، وذكر في موضع آخر أنه أسمعه كلامه من الشجرة ، فجعل الشجرة محلا للكلام ، لأن الكلام عرض لا يقوم الا بجسم . وقيل : إنه في هذا الموضع أسمعه كلامه من الغمام ( قال رب أرني أنظر إليك ) أي : أرني نفسك أنظر إليك ، اختلف العلماء في وجه مسألته عليه السلام الرؤية ، مع علمه بأنه سبحانه لا يدرك بالحواس ، على أقوال : أحدها : ما قاله الجمهور ، وهو الأقوى : إنه لم يسأل الرؤية لنفسه ، وإنما سألها لقومه ، حين قالوا له : ( لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ) ولذلك قال عليه السلام لما أخذتهم الرجفة : ( تهلكنا بما فعل السفهاء منا ) فأضاف ذلك إلى السفهاء . ويسأل على هذا فيقال : لو جاز أن يسأل الرؤية لقومه مع علمه باستحالة الرؤية عليه تعالى ، لجاز أن يسأل لقومه سائر ما يستحيل عليه من كونه جسما ، وما أشبه ذلك ، متى شكوا فيه ؟ والجواب : إنما صح السؤال في الرؤية ، لأن الشك في جواز الرؤية التي تقتضي كونه جسما ، يمكن معه معرفة السمع ، وانه سبحانه حكيم صادق في اخباره ، فيصح أن يعرفوا بالجواب الوارد من جهته تعالى استحالة ما شكوا في صحته ، وجوازه ، ومع الشك في كونه جسما لا يصح معرفة السمع من حيث إن الجسم لا يجوز أن يكون غنيا ، ولا عالما بجميع المعلومات ، لا بد في العلم بصحة السمع من ذلك ، فلا يقع بجوابه انتفاع ولا علم . وقال بعض العلماء : إنه كان يجوز أن يسأل موسى لقومه ما يعلم استحالته أيضا ، وإن كان دلالة السمع لا تثبت قبل معرفته متى كان في المعلوم أن في ذلك صلاحا للمكلفين في دينهم ، غير أنه شرط أن يبين النبي في مسألته ذلك علمه