تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مجمع البيان — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
وكان الناس في ذلك الزمان ، إذا نزل بهم بلاء أو جهد ، التجأوا إلى بيت الله الحرام بمكة ، مسلمهم وكافرهم ، وأهل مكة يومئذ العماليق من ولد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح ، وكان سيد العماليق إذ ذاك بمكة رجلا يقال له معاوية بن بكر ، وكانت أمه من عاد ، فبعث عاد وفدا إلى مكة ، ليستسقوا لهم ، فنزلوا على معاوية بن بكر ، وهو بظاهر مكة ، خارجا من الحرم ، فأكرمهم ، وأنزلهم ، وأقاموا عنده شهرا ، يشربون الخمر . فلما رأى معاوية طول مقامهم ، وقد بعثهم قومهم يتغوثون من البلاء الذي نزل بهم ، شق ذلك عليه ، وقال : هلك أخوالي ، وهؤلاء مقيمون عندي ، وهم ضيفي ، أستحي أن آمرهم بالخروج إلى ما بعثوا إليه . وشكا ذلك إلى قينتيه اللتين كانتا تغنيانهم ، وهما الجرادتان ، فقالتا : قل شعرا نغنيهم به لا يدرون من قاله ، فقال معاوية بن بكر : ألا يا قيل ويحك قم فهينم * لعل الله يصبحنا غماما ( 1 ) فيسقي أرض عاد ، إن عادا * قد أمسوا ما يبينون الكلاما وإن الوحش تأتيهم جهارا ، * ولا تخشى لعادي سهاما وأنتم ههنا فيما اشتهيتم * نهاركم ، وليلكم التماما فقبح وفدكم من وفد قوم * ، ولا لقوا التحية والسلاما فلما غنتهم الجرادتان بهذا ، قال بعضهم لبعض : إنما بعثكم قومكم يتغوثون بكم من هذا البلاء ، فأدخلوا هذا الحرم ، واستسقوا لهم . فقال رجل منهم : قد آمن هود سرا ، والله لا تسقون بدعائكم ، ولكن إن أطعتم نبيكم سقيتم ! فزجروه ، وخرجوا إلى مكة يستسقون بها لعاد ، وكان قيل بن عنزر رأس وفد عاد ، فقال : يا إلهنا إن كان هود صادقا فاسقنا ، فإنا قد هلكنا . فأنشأ الله سبحانه سحابا ثلاثا : بيضاء ، وحمراء ، وسوداء . ثم ناداه مناد من السماء : يا قيل ! اختر لنفسك ولقومك . فاختار السحابة السوداء التي فيها العذاب ، فساق الله سبحانه تلك السحابة بما فيها من النقمة إلى عاد . فلما رأوها استبشروا بها وقالوا : هذا عارض ممطرنا يقول الله عز وجل ( بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم ) فسخرها الله تعالى
هامش
( 1 ) قيل : اسم رجل من عاد . قوله فهينم أمر من هينم أي فادع الله تعالى .