تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مجمع البيان — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
هذه المقالة على الله تعالى . وفي هذه الآية دلالة واضحة على أن الله سبحانه لا يشاء المعاصي ، والكفر ، وتكذيب ظاهر لمن أضاف ذلك إلى الله سبحانه ، هذا مع قيام الأدلة العقلية التي لا يدخلها التأويل ، على أنه سبحانه يتعالى عن إرادة القبيح ، وجميع صفات النقص ، علوا كبيرا ( قل ) يا محمد إذا عجز هؤلاء عن إقامة حجة على ما قالوه ( فلله الحجة البالغة ) والحجة البينة الصحيحة المصححة للأحكام ، وهي التي تقصد إلى الحكم بشهادته ، مأخوذة من حج : إذا قصد ، والبالغة : هي التي تبلغ قطع عذر المحجوج ، بأن تزيل كل لبس وشبهة عمن نظر فيها ، واستدل بها ، وإنما كانت حجة الله صحيحة بالغة ، لأنه لا يحتج إلا بالحق ، وبما يؤدي إلى العلم . ( فلو شاء لهداكم أجمعين ) أي : لو شاء لألجأكم إلى الإيمان ، وهداكم جميعا إليه ، بفعل الإلجاء ، إلا أنه لم يفعل ذلك ، وإن كان فعله حسنا ، لأن الإلجاء ينافي التكليف ، وهذه المشيئة بخلاف المشيئة المذكورة في الآية الأولى ، لأن الله تعالى أثبت هذه ، ونفى تلك ، وذلك لا يستقيم إلا على الوجه الذي ذكرناه . فالأولى مشيئة الاختيار ، والثانية مشيئة الإلجاء . وقيل : إن المراد أنه لو شاء لهداكم إلى نيل الثواب ، ودخول الجنة ، ابتداء من غير تكليف ، ولكنه سبحانه لم يفعل ذلك ، بل كلفكم وعرضكم للثواب الذي لا يحسن الابتداء بمثله ، ولو كان الأمر ما قاله أهل الجبر ، من أن الله سبحانه شاء منهم الكفر ، لكانت الحجة للكفار على الله تعالى من حيث فعلوا ما شاء الله تعالى ، ولكانوا بذلك مطيعين له ، لأن الطاعة هي امتثال الأمر المراد ، ولا يكون الحجة لله تعالى عليهم على قولهم من حيث إنه خلق فيهم الكفر ، وأراد منهم الكفر ، فأي حجة له عليهم ، مع ذلك . ثم بين سبحانه أن الطريق الموصل إلى صحة مذاهبهم ، مفسد غير ثابت من جهة حجة عقلية ، ولا سمعية ، وما هذه صفته ، فهو فاسد لا محالة . فقال : ( قل ) يا محمد لهم ( هلم شهداءكم ) أي : أحضروا ، وهاتوا شهداءكم ( الذين يشهدون ) بصحة ما تدعونه من ( أن الله حرم هذا ) أي : هذا الذي ذكر مما حرمه المشركون من البحيرة ، والسائبة ، والوصيلة ، والحرث ، والأنعام ، وغيرها ( فإن شهدوا فلا تشهد معهم ) معناه : فإن لم يجدوا شاهدا يشهد لهم على تحريمها غيرهم ، فشهدوا بأنفسهم ، فلا تشهد أنت معهم ، وإنما نهاه عن الشهادة معهم ، لأن شهادتهم تكون شهادة بالباطل .
تفسير مجمع البيان — صفحة 188 | الشيخ الطبرسي / لجنة من العلماء والمحققين الأخصائيين