تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مجمع البيان — صفحة 456

مساهمون:

ص٤٥٦
فقام عيسى فتوضأ ، وصلى صلاة طويلة ، ثم كشف المنديل عنها ، وقال بسم الله خير الرازقين ، فإذا هو سمكة مشوية ليس عليها فلوسها ، تسيل سيلا من الدسم ، وعند رأسها ملح ، وعند ذنبها خل ، وحولها من أنواع البقول ما عدا الكراث . وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون ، وعلى الثاني عسل ، وعلى الثالث سمن ، وعلى الرابع جبن ، وعلى الخامس قديد . فقال شمعون : يا روح الله ! أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الآخرة ؟ فقال عيسى : ليس شئ مما ترون من طعام الدنيا ، ولا من طعام الآخرة ، ولكنه شئ افتعله الله بالقدرة الغالبة . كلوا مما سألتم يمددكم ويزدكم من فضله . فقال الحواريون : يا روح الله ! لو أريتنا من هذه الآية اليوم آية أخرى ؟ فقال عيسى : يا سمكة أحيي بإذن الله ، فاضطربت السمكة ، وعاد عليها فلوسها وشوكها ، ففزعوا منها ، فقال عيسى : ما لكم تسألون أشياء إذا أعطيتموها كرهتموها ما أخوفني عليكم أن تعذبوا يا سمكة عودي كما كنت بإذن الله ، فعادت السمكة مشوية كما كانت . فقالوا : يا روح الله ! كن أول من يأكل منها ، ثم نأكل نحن . فقال عيسى : معاذ الله أن آكل منها ، ولكن يأكل منها من سألها . فخافوا أن يأكلوا منها ، فدعا لها عيسى أهل الفاقة ( 1 ) ، والزمني ، والمرضى ، والمبتلين ، فقال : كلوا منها جميعا ، ولكم المهنا ولغيركم البلاء . فأكل منها ألف وثلائمائة رجل وامرأة ، من فقير ، ومريض ، ومبتلى ، وكلهم شبعان يتجشى . ثم نظر عيسى إلى السمكة فإذا هي كهيئتها حين نزلت من السماء ، ثم طارت المائدة صعدا ، وهم ينظرون إليها ، حتى توارت عنهم ، فلم يأكل منها يومئذ زمن إلا صح ، ولا مريض إلا أبرئ ، ولا فقير إلا استغنى ، ولم يزل غنيا حتى مات وندم الحواريون ، ومن لم يأكل منها . وكانت إذا نزلت اجتمع الأغنياء والفقراء ، والصغار والكبار ، يتزاحمون عليها ، فلما رأى ذلك عيسى جعلها نوبة بينهم ، فلبثت أربعين صباحا تنزل ضحى ، فلا تزال منصوبة يؤكل منها ، حتى إذا فاء الفئ طارت صعدا ، وهم ينظرون في ظلها حتى توارت عنهم . وكانت تنزل غبا يوما ، ويوما لا ، فأوحى الله إلى عيسى : اجعل مائدتي للفقراء
هامش
( 1 ) وفي بعض النسخ الخطية " العاهة " بدل " الفاقة " .
تفسير مجمع البيان — صفحة 456 | الشيخ الطبرسي / لجنة من العلماء والمحققين الأخصائيين