تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مجمع البيان — صفحة 425

مساهمون:

ص٤٢٥
خافه مع أمور كثيرة ، وعجائب شهيرة ذكرنا بعضها في أول سورة آل عمران عند قوله ( فيه آيات بينات ) ، فيكون ما دبره الله من ذلك دالا على أنه عالم بمصالح الخلق ، وبكل شئ . وثانيها : إنه تعالى علم أن العرب يكونون أصحاب عداوات وطوائل ، وأنهم يكونون حوالي الكعبة ، فلما خلق السماوات والأرض ، جعل الكعبة موضع أمن ، وعظم حرمتها في القلوب ، وبقيت تلك الحرمة إلى يومنا هذا ، فلولا كونه سبحانه عالما بالأشياء قبل كونها ، لما كان هذا التدبير وفقا للصلاح وثالثها : إنه تعالى لما أخبر في هذه السورة بقصة موسى وعيسى عليهما السلام ، والتوراة والإنجيل ، وما فيهما من الأحكام والأخبار ، وذلك كله مما لم يشاهده نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا أحد في عصره ، قال فيما بعد ( ذلك لتعلموا أن الله يعلم ) ومعناه لولا أنه سبحانه بكل شئ عليم ، لما جاز أن يخبركم عنهم فقوله ( ذلك ) إشارة إلى ما أنبأهم به من علم الغيب ، والعلم بالكائنات . ( اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم [ 98 ] ما على الرسول إلا البلغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون [ 99 ] اللغة : العلم : ما اقتضى سكون النفس ، فإن شئت قلت : هو اعتقاد الشئ على ما هو به عليه مع سكون النفس إلى ما اعتقده . والأول أوجز ، ولا يجوز أن يحد العلم بالمعرفة ، لأن المعرفة هي العلم ، فكيف يحد الشئ بنفسه ؟ والعلم يتناول الشئ على ما هو به وكذلك الرؤية ، والفرق بينهما أن العلم يتعلق بالمعلوم على وجوه ، والرؤية لا تتعلق بالمرئي إلا على وجه واحد . والعلم معنى يحل القلب ، والرؤية ليست معنى على الحقيقة ، لكن للرائي صفة بكونه رائيا ، والعقاب هو الضرر المستحق المقارن للاستخفاف ، والإهانة ، ولو اقتصرت على أن تقول هو الضرر المستحق ، لكان كافيا ، وكذلك لو قلت : هو الضرر الذي يقارنه استخفاف وإهانة ، لكفى ، وإنما سمي عقابا ، لأنه يستحق عقيب الذنب الواقع من صاحبه ، والمغفرة هي ستر الخطيئة برفع عقابها . وأصل الرسول من الإرسال ، وهو الإطلاق ، يقال أرسل الطير : إذا أطلقه ، وترسل في القراءة : إذا تثبت . واسترسل الشئ : إذا تسلس . والرسل : اللبن لاسترساله من الضرع . والفرق بين الإرسال والإنباء أن الإنباء عن الشئ قد يكون من غير تحميل النبأ ، والإرسال لا يكون إلا بتحميل