( وأتممت عليكم نعمتي ) خاطب سبحانه المؤمنين بأنه أتم النعمة عليهم
بإظهارهم على المشركين ، ونفيهم عن بلادهم ، عن ابن عباس ، وقتادة . وقيل :
معناه أتممت عليكم نعمتي ، بأن أعطيتكم من العلم والحكمة ، ما لم يعط قبلكم نبي
ولا أمة . وقيل : إن تمام النعمة دخول الجنة .
( ورضيت لكم الاسلام دينا ) أي : رضيت لكم الاسلام لأمري ، والانقياد
لطاعتي ، على ما شرعت لكم من حدوده وفرائضه ، ومعالمه ، دينا أي : طاعة منكم
لي ، والفائدة في هذا أن الله سبحانه ، لم يزل يصرف نبيه محمدا وأصحابه في
درجات الاسلام ومراتبه ، درجة بعد درجة ، ومنزلة بعد منزلة ، حتى أكمل لهم
شرائعه ، وبلغ بهم أقصى درجاته ومراتبه ، ثم قال : رضيت لكم الحال التي أنتم
عليها اليوم ، فالزموها ولا تفارقوها ، ثم عاد الكلام إلى القضية المتقدمة في التحريم
والتحليل وإنما ذكر قوله ( اليوم يئس الذين كفروا ) إلى قوله ( ورضيت لكم الاسلام
دينا ) اعتراضا .
( فمن اضطر في مخمصة ) معناه : فمن دعته الضرورة في مجاعة ، حتى لا
يمكنه الامتناع من أكله ، عن ابن عباس ، وقتادة ، والسدي ( غير متجانف لإثم )
أي : غير مائل إلى إثم ، وهو نصب على الحال ، يعني : فمن اضطر إلى أكل
الميتة ، وما عدد الله تحريمه عند المجاعة الشديدة ، غير متعمد لذلك ، ولا مختار
له ، ولا مستحل له ، فإن الله سبحانه أباح تناول ذلك له ، قدر ما يمسك به رمقه ،
بلا زيادة عليه ، عن ابن عباس ، وقتادة ، ومجاهد ، وبه قال أهل العراق .
وقال أهل المدينة : يجوز أن يشبع منه عند الضرورة . وقيل : إن معنى قوله :
( غير متجانف لإثم ) غير عاص ، بأن يكون باغيا ، أو عاديا ، أو خارجا في معصية ،
عن قتادة ( فإن الله غفور رحيم ) : في الكلام محذوف دل عليه ما ذكر ، والمعنى :
فمن اضطر إلى ما حرمت عليه ، غير متجانف لإثم ، فأكله ، فإن الله غفور لذنوبه ،
ساترا عليه أكله ، لا يؤاخذه به ، وليس يريد أنه يغفر له عقاب ذلك الأكل ، لأنه أباحه
له ، ولا يستحق العقاب على فعل المباح ، وهو رحيم : أي رفيق بعباده ، ومن رحمته
أباح لهم ما حرم عليهم في حال الخوف على النفس .
( يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح
تفسير مجمع البيان — صفحة 275
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٢٧٥