تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مجمع البيان — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
ودرهم منكوف : مبهرج ردئ ، لأنه يمتنع من أخذه لرداءته . ونكفت من الامر ، بكسر الكاف ، بمعنى : استنكفت أيضا ، حكاها أبو عمرو . فتأويل ( لن يستنكف ) : لن ينقبض ، ولم يمتنع والاستكبار : طلب الكبر من غير استحقاق . والتكبر : قد يكون باستحقاق ، فلذلك جاز في صفة الله تعالى المتكبر ، ولا يجوز المستكبر . النزول : روي أن وفد نجران قالوا لنبينا : يا محمد لم تعيب صاحبنا ؟ قال : ومن صاحبكم ؟ قالوا : عيسى عليه السلام . قال : وأي شئ أقول فيه ؟ قالوا : تقول : إنه عبد الله ورسوله . فنزلت الآية . المعنى : لما تقدم ذكر النصارى ، والحكاية عنهم في أمر المسيح ، عقبه سبحانه بالرد عليهم ، فقال : ( لن يستنكف ) أي : لن يأنف ، ولم يمتنع ( المسيح ) يعني عيسى عليه السلام من ( أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ) أي : ولا الملائكة المقربون يأنفون ، ويستكبرون عن الاقرار بعبوديته ، والإذعان له بذلك ، والمقربون الذين قربهم تعالى ، ورفع منازلهم على غيرهم من خلقه ( ومن يستنكف عن عبادته ) أي : من يأنف عن عبادته ( ويستكبر ) أي : يتعظم بترك الاذعان لطاعته ( فسيحشرهم ) أي : فسيبعثهم ( إليه ) يوم القيامة ( جميعا ) يجمعهم لموعدهم عنده . ومعنى قوله ( إليه ) : أي : إلى الموضع الذي لا يملك التصرف فيه سواه ، كما يقال صار أمر فلان إلى الأمير أي : لا يملكه غير الأمير ، ولا يراد بذلك المكان الذي فيه الأمير . واستدل بهذه الآية من قال بأن الملائكة أفضل من الأنبياء ، قالوا : إن تأخير ذكر الملائكة في مثل هذا الخطاب ، يقتضي تفضيلهم ، لان العادة لم تجر بأن يقال لن يستنكف الأمير أن يفعل كذا ، ولا الحارس ، بل يقدم الأدون ، ويؤخر الأعظم ، فيقال : لن يستنكف الوزيران بفعل كذا ، ولا السلطان . وهذا يقتضي فضل الملائكة على الأنبياء . وأجاب أصحابنا عن ذلك بأن قالوا : إنما أخر ذكر الملائكة ، عن ذكر المسيح ، لان جميع الملائكة أفضل ، وأكثر ثوابا من المسيح ، وهذا لا يقتضي أن يكون كل واحد منهم أفضل من المسيح ، وإنما الخلاف في ذلك ، وأيضا فإنا وإن ذهبنا إلى أن الأنبياء أفضل من الملائكة ، فإنا نقول ، مع قولنا بالتفاوت ، إنه لا تفاوت في الفضل بين الأنبياء والملائكة ، ومع التقارب والتداني ، يحسن أن يقدم ذكر