به الأمر ، ومعناه : إن من وجب عليه حد ، فلاذ بالحرم ، لا يبايع ولا يشارى ولا
يعامل حتى يخرج من الحرم ، فيقام عليه الحد ، عن ابن عباس ، وابن عمر ، وهو
المروي عن أبي جعفر " عليه السلام " ، وأبي عبد الله " عليه السلام " . وعلى هذا يكون تقديره : ومن
دخله فأمنوه .
وثالثها : إن معناه من دخله عارفا بجميع ما أوجبه الله عليه ، كان آمنا في
الآخرة من العذاب الدائم ، وهو المروي عن أبي جعفر " عليه السلام " . وأجمعت الأمة على
أن من أصاب فيه ما يوجب الحد ، أقيم عليه الحد فيه .
ثم لما بين الله فضيلته بيته الحرام ، عقبه بذكر وجوب حجة الاسلام ، فقال :
( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) ومعناه : ولله على من استطاع
إلى حج البيت سبيلا من الناس ، حج البيت أي : من وجد إليه طريقا بنفسه وماله .
واختلف في الاستطاعة فقيل : هي الزاد والرحلة ، عن ابن عباس وابن عمر .
وقيل : ما يمكنه معه بلوغ مكة بأي وجه يمكن ، عن الحسن ، ومعناه القدرة على
الوصول إليه ، والمروي عن أئمتنا أمه وجود الزاد والراحلة ، ونفقة من يلزمه نفقته ،
والرجوع إلى كفاية إما من مال أو ضياع أو حرفة ، مع الصحة في النفس ، وتخلية
السرب من الموانع ، وإمكان السير ( ومن كفر ) معناه : ومن جحد فرض الحج ،
ولم يره واجبا ، عن ابن عباس والحسن .
( فإن الله غني عن العالمين ) لم يتعبدهم بالعبادة لحاجته إليها ، وإنما تعبدهم
بها لما علم فيها من مصالحهم . وقيل : إن المعني به اليهود ، فإنه لما نزل قوله
( ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه ) قالوا : نحن مسلمون ، فأمروا بالحج فلم
يحجوا ، وعلى هذا يكون معنى ( من كفر ) : من ترك الحج من هؤلاء فهو كافر .
و ( الله غني عن العالمين ) . وقيل : المراد به كفران النعمة ، لأن امتثال أمر الله شكر
لنعمته . وقد روي عن أبي أمامة ، عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال : " من لم يحبسه حاجة
ظاهرة من مرض حابس ، أو سلطان جائر ، ولم يحج ، فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء
نصرانيا " . وروي عن أبي عبد الله " عليه السلام " قال : قال رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " " الحج والعمرة
ينفيان الفقر والذنوب ، كما ينفي الكير خبث الحديد " . وفي هذه الآية دلالة على
فساد قول من قال : إن الاستطاعة مع الفعل ، لأن الله أوجب الحج على المستطيع ،
ولم يوجب على غير المستطيع ، وذلك لا يمكن إلا قبل فعل الحج .
تفسير مجمع البيان — صفحة 350
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٣٥٠