الله تعالى السماء والأرض من تحتها ، وهو خلقه الله قبل الأرض بألفي عام ، وكانت
زبدة بيضاء على الماء ، عن مجاهد ، وقتادة ، والسدي . وروي عن أبي عبد
الله " عليه السلام " قال : إنها كانت مهاة بيضاء - يعني درة بيضاء - . وروى أبو خديجة
عنه " عليه السلام " قال : إن الله أنزله لآدم من الجنة ، وكان درة بيضاء ، فرفعه الله تعالى إلى
السماء ، وبقي رأسه وهو بحيال هذا البيت ، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ، لا
يرجعون إليه أبدا . فأمر الله تعالى إبراهيم " عليه السلام " وإسماعيل " عليه السلام " ببنيان البيت على
القواعد . وقيل : معناه إن أول بيت وضع للعبادة ، ولم يكن قبله بيت يحج إليه إلا
البيت الحرام . وقد كانت قبله بيوت كثيرة ، ولكنه أول بيت مبارك وهدى وضع
للناس ، عن علي " عليه السلام " والحسن .
وقيل : أول بيت رغب فيه ، وطلب منه البركة ، مكة ، عن الضحاك . وروى
أصحابنا : إن أول شئ خلقه الله من الأرض ، موضع الكعبة ، ثم دحيت الأرض من
تحتها . وروى أبو ذر أنه سئل النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " عن أول مسجد وضع للناس ، فقال :
المسجد الحرام ، ثم بيت المقدس . ( للذي ببكة ) قيل : بكة المسجد ، ومكة
الحرام كله ، يدخل في البيوت ، عن الزهري ، وضمرة بن ربيعة ، وهو المروي عن
أبي جعفر " عليه السلام " . وقيل : بكة بطن مكة ، عن أبي عبيدة . وقيل : بكة موضع البيت
والمطاف ، ومكة اسم البلدة ، وعليه الأكثر . وقيل : بكة هي مكة والعرب ، تبدل
الباء ميما مثل : سبد رأسه ، وسمده ، عن مجاهد ، والضحاك ( مباركا ) : يعني كثير
الخير والبركة . وقيل : مباركا لثبوت العبادة فيه دائما ، حتى يحكى على أن الطواف
به لا ينقطع أبدا . وقيل : لأنه يضاعف فيه ثواب العبادة ، عن ابن عباس ، ورووا فيه
حديثا طويلا . وقيل : لأنه يغفر فيه الذنوب . ويجوز حمله على الجميع ، إذ لا
تنافي .
( وهدى للعالمين ) أي : دلالة لهم على الله تعالى لإهلاكه كل من قصده من
الجبابرة ، كأصحاب الفيل وغيرهم ، وباجتماع الظبي في حرمه مع الكلب والذئب ،
فلا ينفر عنه مع نفرته عنه في غيره من البلاد ، وبانمحاق الجمار على كثرة الرماة ،
فلولا أنها ترفع لكان يجتمع هناك من الحجارة مثل الجبال ، وباستئناس الطيور فيه
بالناس ، وباستشفاء المريض بالبيت ، وبأن لا يعلوه طير إعظاما له ، إلى غير ذلك من
الدلالات . وقيل : معناه أنهم يهتدون به إلى جهة صلاتهم ، أو يهتدون إلى الجنة
تفسير مجمع البيان — صفحة 348
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٣٤٨