المعنى : ثم بين سبحانه حكم الطلاق ، قبل المسيس بعد الفرض ، فقال :
( وإن طلقتموهن ) يعني : إن طلقتم أيها الرجال النساء ( من قبل أن تمسوهن ) أي :
تجامعوهن ( وقد فرضتم لهن فريضة ) أي : أوجبتم لهن صداقا ، وقدرتم مهرا
( فنصف ما فرضتم ) أي : فعليكم نصف ما قدرتم ، وهو المهر المسمى ( إلا أن
يعفون ) يعني الحرائر البالغات غير المولى عليهن ، لفساد عقولهن أي : يتركن ما
يجب لهن من نصف الصداق ، فلا يطالبن الأزواج بذلك ، عن ابن عباس ومجاهد
وسائر أهل العلم .
( أو يعفو ) أي : يترك ويهب ( الذي بيده عقدة النكاح ) . قيل : هو الولي ،
عن مجاهد وعلقمة والحسن ، وهو المروي عن أبي جعفر ، وأبي عبد الله ، وهو
مذهب الشافعي ، غير أن عندنا الولي هو الأب ، أو الجد مع وجود الأب الأدنى على
البكر غير البالغ . فأما من عداهما فلا ولاية له إلا بتوليتها إياه . وقيل : هو الزوج
ورووه عن علي ، وسعيد بن المسيب وشريح وإبراهيم وقتادة والضحاك ، وهو مذهب
أبي حنيفة ، ورواه أيضا أصحابنا غير أن الأول أظهر ، وهو المذهب .
ومن جعل العفو للزوج قال : له أن يعفو عن جميع النصف . ومن جعله للولي
من أصحابنا قال : له أن يعفو عن بعضه ، وليس له أن يعفو عن جميعه . فإن امتنعت
المرأة عن ذلك ، لم يكن لها ذلك إذا اقتضته المصلحة ، عن أبي عبد الله ( وأن
تعفوا أقرب للتقوى ) خطاب للزوج والمرأة جميعا ، عن ابن عباس ، وللزوج وحده ،
عن الشعبي قال : وإنما جمع لأنه خطاب لكل زوج . وقول ابن عباس أقوى لعمومه ،
وإنما كان العفو أقرب للتقوى من وجهين أحدهما إن معناه أقرب إلى أن يتقي أحدهما
ظلم صاحبه ، لأن من ترك لغيره حق نفسه ، كان أقرب إلى أن لا يظلم غيره بطلب ما
ليس له والثاني : إن معناه أقرب إلى أن يتقي معصية الله ، لأن من ترك حق نفسه ،
كان أقرب إلى أن لا يعصي الله بطلب ما ليس له ( ولا تنسوا الفضل بينكم ) أي : لا
تتركوا الأخذ بالفضل والإحسان بينكم والإفضال ، فتأخذوا بمر الحكم ، واستيفاء
الحقوق على الكمال .
بين الله سبحانه في هذه الآية الحكم الذي لا يعذر أحد في تركه ، وهو أنه ليس
للزوج أن ينقصها من نصف المهر ، ولا للمرأة أن تطالبه بالزيادة ، ثم بين طريق
الفضل من الجانبين ، وندب إليه ، وحث عليه ( إن الله بما تعملون ) أي : بأعمالكم
تفسير مجمع البيان — صفحة 125
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص١٢٥