سبحانه مهددا للعصاة : ( وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ) يعني
أنه عالم بإخلاص المخلص ، ونفاق المنافق فإن شئتم فأظهروا القول ، وإن شئتم
فأبطنوه فإنه عليم بضمائر القلوب ، ومن علم إضمار القلب علم إسرار القول . قال
ابن عباس : كانوا ينالون من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيخبره به جبرئيل . فقال بعضهم
لبعض : أسروا قولكم لكيلا يسمع آل محمد فنزلت الآية . ( ألا يعلم من خلق ) قيل
في معناه وجوه أحدها : ألا يعلم ما في الصدور من خلق الصدور وثانيها : ألا يعلم
سر العبد من خلقه أي : من خلق العبد فعلى الوجهين يكون من خلق بمعنى الخالق
وثالثها : أن يكون من خلق بمعنى المخلوق والمعنى ألا يعلم الله مخلوقه ( وهو
اللطيف ) أي العالم بما لطف ودق . وقيل : اللطيف بعباده من حيث يدبرهم بألطف
التدبير ، واللطيف التدبير من يدبر تدبيرا نافذا لا يجفو عن شئ يدبره به . وقيل :
اللطيف من كان فعله في اللطف بحيث لا يهتدي إليه غيره . وهو فعيل بمعنى فاعل
كالقدير والعليم . وقيل : هو بمعنى الملطف كالبديع بمعنى المبدع . وقيل : اللطيف
الذي يكلف اليسير ، ويعطي الكثير .
( الخبير ) العالم بالعباد وأعمالهم . ثم عدد سبحانه أنواع نعمه ممتنا على عباده
بذلك ، فقال : ( هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا ) أي سهلة ساكنة مسخرة تعملون
فيها ما تشتهون . وقيل ذلولا : لم يجعلها بحيث يمتنع المشي فيها بالحزونة والغلظ .
وقيل ذلولا : موطأة للتصرف فيها والمسير عليها ، ويمكنكم زراعتها ( فامشوا في
مناكبها ) أي : في طرقها وفجاجها ، عن مجاهد . وقيل : في جبالها لأن منكب كل
شئ أعلاه ، عن ابن عباس وقتادة . ثم إن كان هذا أمر ترغيب فالمراد فامشوا في
طاعة الله ، وإن كان للإباحة فقد أباح المشي فيها لطلب المنافع في التجارات .
( وكلوا من رزقه ) أي كلوا مما أنبت الله في الأرض والجبال ، من الزروع والأشجار
حلالا ( وإليه النشور ) أي وإلى حكمه المرجع في القيامة . وقيل : معناه وإليه
الإحياء للمحاسبة ، فهو مالك النشور ، والقادر عليه ، عن الجبائي .
ثم هدد سبحانه الكفار زاجرا لهم ، عن ارتكاب معصيته ، والجحود لربوبيته
فقال : ( أأمنتم من في السماء ) أي أمنتم عذاب من في السماء سلطانه وأمره ونهيه
وتدبيره ، لا بد أن يكون هذا معناه ، لاستحالة أن يكون الله ، جل جلاله ، في مكان
أو في جهة . وقيل : يعني بقوله ( من في السماء ) الملك الموكل بعذاب العصاة ( أن
تفسير مجمع البيان — صفحة 76
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٧٦