وقريش هي التي تسكن البحر * بها سميت قريش قريشا
تأكل الغث ، والسمين ، ولا * تترك فيه لدى الحناجر ريشا
وكانت قريش تعيش بتجارتهم ورحلتهم . وكان لا يتعرض لهم أحد بسوء .
وكانوا يقولون قريش سكان حرم الله ، وولاة بيته . قال الكلبي : وكان أول من حمل
الميرة من الشام ، ورحل إليها الإبل ، هاشم بن عبد مناف ، ويصدقه قول الشاعر :
تحمل هاشم ما ضاق عنه * وأعيا أن يقوم به ابن بيض
أتاهم بالغرائر متأقات * من أرض الشام بالبر النفيض
فوسع أهل مكة من هشيم ، * وشاب البر باللحم الغريض ( 1 )
وقال سعيد بن جبير : مر رسول الله ( ص ) ومعه أبو بكر بملأ ، وهم ينشدون :
يا ذا الذي طلب السماحة ، والندى ، * هلا مررت بآل عبد الدار
لو أن مررت بهم تريد قراهم * منعوك من جهد ، ومن إقتار
فقال لأبي بكر : أهكذا قال الشاعر ؟ فقال : لا والذي بعثك بالحق ، بل قال :
يا ذا الذي طلب السماحة ، والندى ، * هلا مررت بآل عبد مناف
لو أن مررت بهم تريد قراهم * منعوك من جهد ، ومن إيجاف ( 2 )
الرائشين ، وليس يوجد رائش ، * والقائلين هلم للأضياف ( 3 )
والخالطين غنيهم بفقيرهم ، * حتى يصير فقيرهم كالكافي
والقائلين بكل وعد صادق ، * ورجال مكة مسنتين عجاف ( 4 )
هامش
( 1 ) حكي عن الأصمعي أنه قال : ابن بيض : هو رجل كان في الزمن الأول ، عفر ناقته على تثنية
فسد بها الطريق ، ومنع الناس من سلوكها . وقال بسامة بن حزن :
( كثوب ابن بيض وقاهم به * فسد على السالكين السبيلا )
والغرائر : الجوالق العظام . وأتأقت الإناء : ملأته . والنفيض : الزائل عنه الغبار ، والهشيم :
الثريد ، وشاب الشئ بالشئ : خلطه . والغريض : الطري .
( 2 ) الإيجاف : سرعة السير .
( 3 ) راشه : أعانه وأغناه .
( 4 ) كذا في النسخ . لكن في السيرة وغيره هكذا :
( عمرو الذي هشم الثريد لقومه * ورجال مكة مسنتين عجاف )
وهو الأصح . والمستنون : الذين أصابتهم السنة وهي الجوع ، والقحط . والعجاف من
العجف : وهو الهزال ، والضعف .