وقال الزجاج : وإذا طلقها ثلاثا في وقت واحد ، فلا معنى له لقوله ( لعل الله يحدث
بعد ذلك أمرا ) .
وفي هذه الآية دلالة على أن الواجب في التطليق أن يوقع متفرقا ، ولا يجوز
الجمع بين الثلاث ، لأن الله تعالى أكد قوله ( فطلقوهن لعدتهن ) " بقوله ( وأحصوا
العدة ) ثم زاد في التأكيد بقوله ( واتقوا الله ربكم ) " فيما حده الله لكم فلا تعتدوه . ثم
قرر سبحانه حق الزوج في المراجعة بقوله ( لا تخرجوهن من بيوتهن ) " فإن الزوجة إذا
لم ترم بيتها تمكن الزوج من مراجعتها . ثم دل بقوله وتلك حدود الله على أن من
تعدى حدود الله تعالى في الطلاق ، بطل حكمه ، وصار قوله : ( لعل الله يحدث بعد
ذلك أمرا ) تأكيدا لحدود الله في الطلاق وإعلاما بأن حق الرجعة لا ينقطع بجمع
الطلاق ، فكأنه قال : كونوا على رجاء الفائدة بالرجعة ، فقد يحدث الله الرغبة بعد
الطلاق .
فإن قالوا : قد أمر الله سبحانه في الآية بطلاق العدة ، فكيف تقدمون أنتم طلاق
السنة على طلاق العدة ؟ فالجواب : إن طلاق السنة أيضا طلاق العدة إلا أن
أصحابنا ، رضي الله عنهم ، قد اصطلحوا على أن يسموا الطلاق الذي لا يزاد عليه
بعد المراجعة طلاق السنة ، والطلاق الذي يزاد عليه بشرط المراجعة طلاق العدة .
ومما يعضد ما ذكرته ما اشتهر من الأخبار في كتبهم ورواياتهم ، ونقل عن متقدميهم
مثل زرارة بن أعين ، ومحمد بن مسلم وغيرهم . فمن ذلك ما رواه يونس عن بكير بن
أعين ، عن أبي جعفر عليه السلام قال . الطلاق أن يطلق الرجل المرأة على طهر من غير
جماع ، ويشهد رجلين عدلين على تطليقه ، ثم هو أحق برجعتها ما لم تمض ثلاثة
قروء ، فهذا الطلاق الذي أمر الله به في القرآن وأمر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سنته ،
وكل طلاق لغير مدة فليس بطلاق . وعن جرير قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن
طلاق السنة ، فقال : على طهر من غير جماع بشاهدي عدل ، ولا يجوز الطلاق إلا
بشاهدين والعدة ، وهو قوله ( فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة ) الآية .
وروى الحسن بن محبوب ، عن علي بن رئاب ، عن زرارة ، عن أبي
جعفر أنه قال : كل طلاق لا يكون على السنة ، أو طلاق على العدة ، فليس
بشئ . قال زرارة : قلت لأبي جعفر : فسر لي طلاق السنة وطلاق العدة ؟ فقال : أما
طلاق السنة فهو إن الرجل إذا أراد أن يطلق امرأته ، فلينتظر بها حتى تطمث وتطهر .
تفسير مجمع البيان — صفحة 41
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٤١