عليكم ما جرى عليهم ، حذو القذة بالقذة . ( 1 ) .
ثم تال سبحانه على وجه التقريع لهم والتبكيت . ( فما لهم ) يعني كفار قريش
( لا يؤمنون ) بمحمد ( ص ) والقرآن والمعنى : أي شئ لهم إذا لم يؤمنوا ، وهو
استفهام إنكار أي : لا شئ لهم من النعيم والكرامة ، إذا لم يؤمنوا . وقيل : معناه
فما وجه الارتياب الذي يصرفهم عن الإيمان ، وهو تعجب منهم في تركهم الإيمان ،
والمراد : أي مانع لهم ، وأي عذر لهم في ترك الإيمان ، مع وضوح الدلائل . ( وإذا
قرئ عليهم القرآن لا يسجدون ) عطف على قوله ( فما لهم لا يؤمنون ) أي ما الذي
يصرفهم عن الإيمان وعن السجود لله تعالى ، إذا تلي عليهم القرآن . وقيل : معنى لا
يسجدون لا يصلون لله تعالى ، عن عطا والكلبي . وفي خبر مرفوع عن أبي هريرة
قال : قرأ رسول لله ( ص ) ( إذا السماء انشقت ) فسجد .
ثم قال سبحانه : ( بل الذين كفروا يكذبون ) أي لم يتركوا الإيمان لقصور في
البيان ، أو لانقطاع من البرهان ، لكنهم قلدوا أسلافهم ورؤساءهم في التكذيب
بالرسول والقرآن ( والله أعلم بما يوعون ) أي يجمعون في صدورهم ، ويضمرون في
قلوبهم من التكذيب والشرك ، عن ابن عباس وقتادة ومقاتل . وقيل : بما يجمعون من
الأعمال الصالحة والسيئة ، عن ابن زيد . قال الفراء : أصل الإيعاء جعل الشئ في
وعاء ، والقلوب أوعية لما يحصل فيها من علم أو جهل . وفي كلام أمير
المؤمنين ( ع ) : إن هذه القلوب أوعية ، فخيرها أوعاها ، ثم قال : ( فبشرهم ) يا
محمد ( بعذاب أليم ) أي اجعل ذلك لهم بدل البشارة للمؤمنين بالرحمة .
ثم استثنى سبحانه المؤمنين من جملة المخاطبين فقال : ( إلا الذين آمنوا
وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون ) أي غير منقوص ، ولا مقطوع ، لأن نعيم
الآخرة غير منقطع ، عن ابن عباس . وقيل غير منقص ، ولا مكدر بالمن ، عن
الجبائي ، وروي ذلك عن الحسن . وقيل : له من وله منة ، وإنما قيل له من ومنة ،
لأنه يقطع عن شكر النعمة ، وأصل المن القطع . يقال : مننت الحبل إذا قطعته . قال
لبيد :
هامش
( 1 ) القذة : ريش السهم ، يضرب مثلا للشيئين يستويان ، ولا يتفاوتان .