( وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا ) هذا ابتداء حكم من الله
سبحانه ، أي لو استقام الإنس والجن على طريقة الإيمان ، عن ابن عباس ،
والسدي . وقيل : أراد مشركي مكة أي لو آمنوا واستقاموا على الهدى ، لأسقيناهم ماء
كثيرا من السماء ، وذلك بعد ما رفع ماء المطر عنهم سبع سنين ، عن مقاتل . وقيل :
لو آمنوا واستقاموا لوسعنا عليهم في الدنيا ، وضرب الماء الغدق مثلا ، لأن الخير كله
والرزق يكون في المطر ، وهذا كقوله : ( ولو أنهم أقاموا التوراة ) ، إلى قوله :
( لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ) ، وقوله : ( لفتحنا عليهم بركات من السماء
والأرض ) وقيل معناه لو استقاموا على طريقة الكفر ، فكانوا كفارا كلهم لأعطيناهم
مالا كثيرا ، ولوسعنا عليهم تغليظا للمحنة في التكليف ، ولذلك قال : ( لنفتنهم فيه )
أي لنختبرهم بذلك ، عن الفراء ، وهو قول الربيع والكلبي والثمالي وأبي مسلم وابن
مجلز ودليله : ( فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم ) الآية .
وقيل : لنفتنهم معناه لنعاملهم معاملة المختبر في شدة التعبد بتكليف الانصراف
عما تدعو شهواتهم إليه . وفي ذلك المحنة الشديدة وهي الفتنة . والمثوبة على قدر
المشقة في الصبر عما تدعو إليه الشهوات . وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال في
هذه الآية : أينما كان الماء كان المال ، وأينما كان المال كانت الفتنة . وقيل : معناه
لنختبرهم كيف يكون شكرهم للنعم ، عن سعيد بن المسيب وقتادة ومقاتل والحسن .
والأولى أن تكون الاستقامة على الطريقة محمولة على الاستقامة في الدين والإيمان ،
لأنها لا تطلق إلا على ذلك ، ولأنها في موضع التلطف والاستدعاء إلى الإيمان ،
والحث على الطاعة . وفي تفسير أهل البيت عليهم السلام عن أبي بصير قال قلت لأبي
جعفر عليه السلام قول الله ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ) قال : هو والله ما أنتم
عليه ، ولو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا . وعن بريد العجلي ، عن أبي
عبد الله عليه السلام قال : معناه لأفدناهم علما كثيرا يتعلمونه من الأئمة .
ثم قال سبحانه على وجه التهديد والوعيد : ( ومن يعرض عن ذكر ربه ) أي
ومن يعدل عن الفكر فيما يؤديه إلى معرفة الله ، وتوحيده ، والإخلاص في عبادته .
وقيل : عن شكر الله وطاعته ( يسلكه عذابا صعدا ) أي يدخله عذابا شاقا شديدا
متصعدا في العظم ، وإنما قال ( يسلكه ) لأنه تقدم ذكر الطريقة . وقيل : معناه عذابا
ذا صعد أي ذا مشقة ( وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ) تقديره : ولأن
تفسير مجمع البيان — صفحة 151
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص١٥١