سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا ) فأوحى الله تعالى
إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ( قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن ) . ورواه البخاري ومسلم
أيضا في الصحيح .
وعن علقمة بن قيس قال : قلت لعبد الله بن مسعود : من كان منكم مع
النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليلة الجن ؟ فقال : ما كان منا معه أحد . فقدناه ذات ليلة ونحن بمكة ،
فقلنا : اغتيل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أو استطير . فانطلقنا نطلبه من الشعاب ، فلقيناه
مقبلا من نحو حراء ، فقلنا : يا رسول الله ! أين كنت لقد أشفقنا عليك ؟ وقلنا له :
بتنا الليلة بشر ليلة بات بها قوم حين فقدناك ! فقال لنا : إنه أتاني داعي الجن ،
فذهبت أقرئهم القرآن ، فذهب بنا فأرانا آثارهم ، وآثار نيرانهم . فأما أن يكون صحبه
منا أحد فلم يصحبه . وعن أبي روق قال : هم تسعة نفر من الجن . قال أبو حمزة
الثمالي : وبلغنا أنهم من بني الشيصبان ، هم أكثر الجن عددا ، وهم عامة جنود
إبليس . وقيل : كانوا سبعة نفر من جن نصيبين ، رآهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فآمنوا به ،
وأرسلهم إلى سائر الجن .
( وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا ) الاختيار كسر إن ، لأنه من قول
الجن لقومهم وهو معطوف على قوله ( قالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا ) أي وقالوا تعالى جد
ربنا . وقال الفراء : من فتح فتقديره فآمنا به وآمنا بأنه تعالى جد ربنا . وكذلك كل ما
كان بعده ففتح أن بوقوع الإيمان عليه . والمعنى : تعالى جلال ربنا وعظمته عن اتخاذ
الصاحبة والولد ، عن الحسن ومجاهد . وقيل : معناه تعالت صفات الله التي هي له
خصوصا ، وهي الصفات العالية التي ليست للمخلوقين ، عن أبي مسلم . وقيل .
معناه جل ربنا في صفاته ، فلا تجوز عليه صفات الأجسام والأعراض ، عن الجبائي .
وقيل . تعالى قدرة ربنا ، عن ابن عباس . وقيل : تعالى ذكره ، عن مجاهد . وقيل :
فعله وأمره ، عن الضحاك . وقيل : علا ملك ربنا ، عن الأخفش . وقيل : تعالى
آلاؤه ونعمه على الخلق ، عن القرظي . والجميع يرجع إلى معنى واحد ، وهو
العظمة والجلال على ما تقدم ذكرهما ، ومنه قول أنس بن مالك : كان الرجل إذا قرأ
سورة البقرة جد في أعيننا أي عظم . وقال الربيع بن أنس إنه قال : ليس لله تعالى
جد ، وإنما قالته الجن بجهالة ، فحكاه سبحانه كما قالت ، وروي ذلك عن أبي جعفر
الباقر عليه السلام ، وأبي عبد الله عليه السلام .
تفسير مجمع البيان — صفحة 145
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص١٤٥