وما أنزل على رسوله من ذكر البعث ، فيظهرون كلمة الإيمان ، وكان قصدهم أن
يطلعوا على أسرار المسلمين فينقلوها إلى الكفار ، أو تقريب الرسول إياهم ،
كما كان يقرب المؤمنين . ثم نفى عنهم الإيمان ، فقال : ( وما هم بمؤمنين )
وفي هذا تكذيبهم فيما أخبروا عن اعتقادهم من الإيمان والإقرار بالبعث ، فبين
أن ما قالوه بلسانهم مخالف لما في قلوبهم ، وهذا يدل على فساد قول من
يقول : الإيمان مجرد القول .
( يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما
يشعرون ( 9 ) ) .
القراءة : قرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو : ( وما يخادعون إلا
أنفسهم ) . والباقون : ( وما يخدعون ) .
الحجة : حجة من قرأ ( يخدعون ) أن فعل هنا أليق بالموضع في فاعل
الذي هو في أكثر الأمر يكون لفاعلين ، ويدل عليه قوله في الآية الأخرى
( يخادعون الله وهو خادعهم ) . وحجة من قرأ ( يخادعون ) : هو أن ينزل ما
يخطر بباله من الخدع منزلة آخر يجازيه ذلك ويعاوضه إياه ، فيكون الفعل كأنه
من اثنين ، فيلزم أن يقول فاعل كقول الكميت وذكر حمارا أراد الورود :
يذكر من أنى ، ومن أين شربه * يؤامر نفسية كذي الهجمة الإبل
فجعل ما يكون منه من وروده الماء ، أو تركه الورود ، والتمثيل بينهما بمنزلة
نفسين .
اللغة : أصل الخدع : الاخفاء والإبهام بخلاف الحق والتزوير
يقال : خدعت الرجل أخدعه خدعا بالكسر وخديعة . وقالوا : إنك لأخدع من
ضب حرشته . وخادعت فلانا فخدعته . والنفس في الكلام على ثلاثة أوجه :
النفس بمعنى الروح ، والنفس بمعنى التأكيد ، تقول : جاءني زيد نفسه .
والنفس بمعنى الذات وهو الأصل . ويقال النفس غير الروح ، ويقال هما اسمان
بمعنى واحد . ويشعرون : يعلمون . وأصل الشعر الإحساس بالشئ من جهة
تدق ، ومن هذا اشتقاق الشعر ، لأن الشاعر يفطن لما يدق من المعنى ،
والوزن ، ولا يوصف الله تعالى بأنه يشعر لما فيه من معنى التلطف والتخيل .
تفسير مجمع البيان — صفحة 99
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٩٩