قلت : إنما أنا بشر ، فكأنك قلت : ما أنا إلا بشر . ولو كانت ما بمعنى الذي ،
لكتبت ما مفصولة ، ومثله قوله تعالى : ( إنما الله إله واحد ) أي : لا إله إلا الله
إلا إله واحد ، ومثله : إنما أنت نذير أي : لا نذير إلا أنت . فإذا ثبت ذلك ،
فلا يجوز في الميتة إلا النصب ، لأن ما كافة . ولو كانت ما بمعنى الذي ، لجاز
في الميتة الرفع .
و ( غير باغ ) : منصوب على الحال ، وتقديره : لا باغيا ولا عاديا . ولا يجوز
أن يقع إلا ها هنا في موضع غير ، لما قلناه إنه بمعنى النفي ، ولذلك عطف عليه
بلا . فأما ( إلا ) فمعناه في الأصل الإختصاص لبعض من كل ، وليس ها هنا كل
يصلح أن يخص منه .
المعنى : لما ذكر سبحانه إباحة الطيبات ، عقبه بتحريم المحرمات ،
فقال : ( إنما حرم عليكم الميتة ) وهو ما يموت من الحيوان ، ( والدم ولحم
الخنزير ) خص اللحم لأنه المعظم والمقصود وإلا فجملته محرمة ، ( وما أهل
به لغير الله ) قيل فيه قولان : أحدهما : إنه ما ذكر غير اسم الله عليه ، عن .
الربيع وجماعة من المفسرين . والآخر : إنه ما ذبح لغير الله ، عن مجاهد
وقتادة ، والأول أوجه .
( فمن اضطر ) إلى أكل هذه الأشياء ضرورة مجاعة ، عن أكثر المفسرين .
وقيل : ضرورة إكراه ، عن مجاهد ، وتقديره فمن خاف على النفس من الجوع ، ولا
يجد مأكولا يسد به الرمق . وقوله : ( غير باغ ولا عاد ) قيل فيه ثلاثة أقوال أحدها :
غير باغ اللذة ، ولا عاد سد الجوعة ، عن الحسن وقتادة ومجاهد . وثانيها : غير باغ
في الإفراط ، ولا عاد في التقصير ، عن الزجاج ( وثالثها ) : غير باغ على إمام
المسلمين ، ولا عاد بالمعصية طريق المحقين ، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي
عبد الله وعن مجاهد وسعيد بن جبير .
واعترض علي بن عيسى على هذا القول بأن قال : إن الله لم يبح لأحد قتل
نفسه ، والتعرض للقتل قتل في حكم الدين ، ولأن الرخصة لأجل المجاعة ، لا لأجل
سفر الطاعة ، وهذا فاسد لأن الباغي على الإمام معرض نفسه للقتل ، فلا يجوز لذلك
استباحة ما حرم الله ، كما لا يجوز له أن يستبقي نفسه بقتل غيره من المسلمين .
وقوله : إن الرخصة لأجل المجاعة غير مسلم على الإطلاق ، بل هو مخصوص بمن
تفسير مجمع البيان — صفحة 476
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٤٧٦