النار تدخل أجوافهم .
( ولا يكلمهم الله يوم القيامة ) : فيه وجهان أحدهما : إنه لا يكلمهم بما
يحبون ، وفي ذلك دليل على غضبه عليهم ، وإن كان يكلمهم بالسؤال بالتوبيخ وبما
يغمهم كما قال ( فلنسئلن الذين أرسل إليهم ) وقال : ( اخسؤوا فيها ولا تكلمون ) .
وهذا قول الحسن والجبائي . والثاني : إنه لا يكلمهم أصلا ، فتحمل آيات المسألة
على أن الملائكة تسألهم عن الله وبأمره ، ويتأول قوله ( اخسؤوا فيها ) على دلالة
الحال ، وإنما يدل نفي الكلام على الغضب في الوجه الأول من حيث إن الكلام
وضع في الأصل للفائدة ، فلما انتفى الفائدة على وجه الحرمان ، دل على الغضب .
فأما الكلام على وجه الغم والإيلام فخارج عن ذلك . ( ولا يزكيهم ) معناه لا يثني
عليهم ، ولا يصفهم بأنهم أزكياء ، ومن لا يثني الله عليه فهو معذب . وقيل : لا تقبل
أعمالهم كما تقبل أعمال الأزكياء . وقيل : معناه لا يطهرهم من خبث أعمالهم
بالمغفرة ( ولهم عذاب أليم ) أي : موجع مؤلم .
( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما
أصبرهم على النار ( 175 ) ) .
الاعراب : ( ما أصبرهم ) : قيل : إن ( ما ) للتعجب كالتي في قوله
( قتل الانسان ما أكفره ) أي : قد حل محل ما يتعجب منه . وحكي عن بعض
العرب أنه قال لخصمه : ما أصبرك على عذاب الله . وقيل : إنه للاستفهام على
معنى : أي شئ أصبرهم . يقال : أصبرت السبع ، أو الرجل ، ونحوه : إذا
نصبته لما يكره . قال الحطيئة :
قلت لها أصبرها دائبا : * ويحك ! أمثال طريف قليل
أي : ألزمها وأضطرها .
المعنى : ( أولئك ) : إشارة إلى من تقدم ذكرهم ( الذين اشتروا الضلالة
بالهدى ) أي : استبدلوا الكفر بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بالإيمان به ، فصاروا بمنزلة من
يشتري السلعة بالثمن . وقيل : المراد بالضلالة كتمان أمره ، مع علمهم به ، وبالهدى
إظهاره . وقيل : المراد بالضلالة العذاب ، وبالهدى الثواب وطريق الجنة أي :
استبدلوا النار بالجنة . وقوله : ( والعذاب بالمغفرة ) قيل : إنه تأكيد لما تقدم ، عن
تفسير مجمع البيان — صفحة 479
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٤٧٩