لا تحدثوا العرب بهذا ، فإنكم قد كنتم تستفتحون به عليهم أي : لا تقروا بأنه
نبي ، وقد علمتم أنه قد أخذ له الميثاق عليكم باتباعه ، وأنه النبي الذي كنا
ننتظره ، ونجده في كتابنا ، اجحدوه ، ولا تقروا لهم به . وقال الكسائي :
أتحدثونهم بما بينه الله لكم في كتابكم من العلم ببعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم والبشارة
به . وبعض الأقوال فيه ذكرناه في النزول . وأقوى التأويلات قول من قال : أتحدثونهم
بما فتح الله عليكم أي : حكم الله به عليكم ، وقضاه فيكم ، ومن حكمه عليكم ، ما
أخذ به ميثاقكم من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وصفته الموصوفة لكم في التوراة ، ومن
قضائه فيكم أنه جعل منكم القردة والخنازير .
وقوله : ( ليحاجوكم به عند ربكم ) أي : ليكون لهم الحجة عليكم عند الله في
الدنيا والآخرة في إيمانهم بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، إذ كنتم مقرين به ، ومخبرين بصحة أمره من
كتابكم ، فهذا يبين ( 1 ) حجتهم عليكم عند الله . وقيل : معناه ليجادلوكم ويقولوا لكم
قد أقررتم أنه نبي حق في كتابكم ، ثم لا تتبعونه . وقوله : ( عند ربكم ) قال ابن
الأنباري : معناه في حكم ربكم ، كما يقال : هذا حلال عند الشافعي أي : في
حكمه ، وهذا يحل عند الله أي : في حكمه . وقوله : ( أفلا تعقلون ) أي : أفلا
تفقهون أيها القوم أن اخباركم محمدا وأصحابه بما تخبرونهم به من وجوه نعت محمد
في كتبكم ، حجة عليكم عند ربكم ، يحتجون بها عليكم . وقيل : معناه أفلا تعقلون
أيها المؤمنون ، أنهم لا يؤمنون ، فلا تطمعوا في ذلك ، عن الحسن . وقيل : إنه
خطاب لليهود أي : فلا تعقلون أيها اليهود إذ تقبلون من رؤسائكم مثل هذا ؟ وهذا
تحذير لهم عن الرجوع إلى قول رؤسائهم .
( أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ( 77 ) ) .
المعنى : ( أو لا يعلمون ) يعني اليهود ، أن الله يعلم سرهم وعلانيتهم ،
فكيف يستجيزون ان يسروا إلى إخوانهم النهي عن التحدث بما هو الحق ، وهم
مقرون بذلك غير جاحدين بأن الله يعلم سرهم وجهرهم ، كالكفار والمنافقين ،
فهم من هذه الجهة ألوم ، والمذمة لهم ألزم ، عن أكثر المفسرين . وقيل :
معناه أو لا يعلمون ( أن الله يعلم ما يسرون ) من كفرهم وتكذيبهم محمدا ، إذا
خلا بعضهم إلى بعض ، ( وما يعلنون ) من قولهم : آمنا ، إذا لقوا أصحاب
هامش
( 1 ) وفي النسخ التي عندنا " فبهذا تبين " مكان " فهذا يبين " .