وكفرانهم وعصيانهم ثانية بعد أولى مع ظهور الآيات اللائحة ، والمعجزات الواضحة ،
تعزية له صلى الله عليه وآله وسلم ، وتثبيتا لفؤاده ، وتسليته إياه عما يقاسيه من مخالفة اليهود
وكيدهم ( 1 ) ، وبراءة من جحودهم وكفرهم وعنادهم ، وليكون وقوفه على ما وقف عليه
من أخبار سلفهم ، تنبيها لهم ، وحجة عليهم ، في اخلادهم إلى الهوى ،
وإلحادهم ، وتحذيرا لهم من أن يحل بهم ما حل بآبائهم ، وأجدادهم .
( فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين ( 66 ) ) .
اللغة : النكال : الإرهاب للغير ، وأصله المنع ، لأنه مأخوذ من النكل :
وهو القيد ، وهو أيضا اللجام . وسميت العقوبة نكالا : لأنها تمنع عن ارتكاب
مثله ما ارتكبه من نزلت به . ونكل فلان بفلان تنكيلا ونكالا . والموعظة :
الوعظ ، وأصله التخويف ، يقال : وعظت فلانا موعظة وعظة .
المعنى : ( فجعلناها ) الضمير يعود إلى الأمة التي مسخت ، وهم أهل
إيلة قرية على شاطئ البحر ، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام ، أو إلى
المسخة ، عن الزجاج ، أو إلى العقوبة أي : جعلنا تلك العقوبة ، عن ابن عباس ،
أو إلى القرية التي اعتدى أهلها فيها . ( نكالا ) أي : عقوبة . وقيل : اشتهار أو
فضيحة . وقيل : تذكرة وعبرة . وقوله : ( لما بين يديها وما خلفها ) ذكر فيه وجوه :
أحدها : ما روي عن ابن عباس ، رواه الضحاك عنه ، لما بين يديها : للأمم
التي تراها ، وما خلفها : ما يكون بعدها . وهو يقارب المأثور المروي عن الباقر ،
والصادق عليهما السلام ، أنهما قالا : لما بين يديها أي : لما معها ينظر إليها من القرى ، وما
خلفها : نحن ولنا فيها موعظة . فعلى هذا يكون ( ما ) بمعنى من أي : نكالا للخلق
الذين كانوا معهم ، ولجميع من يأتي بعدهم إلى يوم القيامة ، لئلا يفعلوا مثل فعلهم .
وثانيها : أن يكون معناه : جعلناها عقوبة للذنوب التي تقدمت على الإصطياد
والذنوب التي تأخرت عنه . وهذا يقتضي أن يكون الله تعالى لم يعاجلهم بالعقوبة
عقيب الإصطياد ، عن ابن عباس أيضا ، فيكون اللام بمعنى السبب أي : بسبب ذلك
وثالثها : أن يكون المراد : لما بين يديها من القرى ، وما خلفها من القرى ، عن
عكرمة ، عن ابن عباس . ورابعها : أن يكون المراد لما بين يديها : ما مضى من
هامش
( 1 ) وفي النسخ التي عندنا : " كيادهم " بدل " كيدهم " .