سمي بذلك لما لهم فيه من الراحة ، لأن أصل السبت هو السكون والراحة ، ومنه
قوله : ( وجعلنا نومكم سباتا ) . ويقال للنائم : مسبوت ، لاستراحته وسكون جسده .
والقردة : جمع قرد ، والأنثى قردة . والخاسئ : المبعد المطرود ، يقال : خسأت
الكلب أخسأه خسأ ، وخسئ الكلب يخسأ خسأ ، تقول : خسأته وخسئ وانخسأ .
قال الراجز : ( كالكلب إن قلت له : إخسأ انخسأ ) أي : إن طردته انطرد .
المعنى : خاطب اليهود فقال : ( ولقد علمتم ) أي : عرفتم . ( الذين
اعتدوا منكم في السبت ) أي : الذين جاوزوا ما أمروا به من ترك الصيد يوم
السبت ، وكان الحيتان تجتمع في يوم السبت لأمنها ، فحبسوها في السبت ،
وأخذوها في الأحد ، فاعتدوا في السبت أي : ظلموا وتجاوزوا ما حد لهم ،
لأن صيدها هو حبسها . وروي عن الحسن أنهم اصطادوا يوم السبت مستحلين
بعدما نهوا عنه . ( فقلنا لهم كونوا قردة ) وهذا إخبار عن سرعة فعله ، ومسخه
إياهم ، لا أن هناك أمرا . ومعناه : وجعلناهم قردة ، كقوله تعالى : ( فقال لها
وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ) ، ولم يكن هناك قول ، وإنما
أخبر عن تسهل الفعل عليه ، وتكوينه بلا مشقة .
قال ابن عباس : فمسخهم الله تعالى عقوبة لهم ، وكانوا يتعاوون ، وبقوا ثلاثة
أيام لم يأكلوا ، ولم يشربوا ، ولم يتناسلوا ، ثم أهلكهم الله تعالى ، وجاءت ريح
فهبت بهم ، وألقتهم في الماء ، وما مسخ الله أمة إلا أهلكها . وهذه القردة والخنازير
ليست من نسل أولئك ، ولكن مسخ أولئك على صورة هؤلاء ، يدل عليه إجماع
المسلمين على أنه ليس في القردة والخنازير من هو من أولاد آدم . ولو كانت من أولاد
الممسوخين لكانت من بني آدم .
وقال مجاهد : لم يمسخوا قردة ، وإنما هو مثل ضربه الله كما قال : ( كمثل
الحمار يحمل أسفارا ) وحكي عنه أيضا أنه مسخت قلوبهم ، فجعلت كقلوب القردة ،
لا تقبل وعظا ، ولا تتقي زجرا . وهذان القولان يخالفان الظاهر الذي أكثر المفسرين
عليه من غير ضرورة تدعو إليه .
وقوله : ( خاسئين ) أي : مبعدين عن الخير . وقيل : أذلاء صاغرين
مطرودين ، عن مجاهد . وفي هذه الآيات احتجاجات من الله تعالى على اليهود بنعمه
المترادفة على آبائهم ، وإخبار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن عناد أسلافهم مرة بعد أخرى ،
تفسير مجمع البيان — صفحة 248
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٢٤٨