الإضافة قد تحذف في غير النداء ، لزم حذفه في النداء . ويجوز في الكلام
أربعة وجوه : يا قوم كما قرئ ، ولا يجوز غيره في القرآن ، لأن القراءة سنة
متبعة . ويجوز يا قومي إنكم بإثبات الياء وإسكانه . ويجوز : يا قومي بإثبات
الياء وتحريكه ، فهذه ثلاثة أوجه في الإضافة . ويجوز : يا قوم على أنه منادى
مفرد . وأما قوله ( يا ليت قومي ) فإن الياء ثبتت فيه ، لأنه لم يلحقه ما يوجب
حذفه ، كما لحق في النداء .
المعنى : ( و ) اذكروا ( إذ قال موسى لقومه ) الذين عبدوا العجل عند
رجوعه إليهم : ( يا قوم انكم ظلمتم أنفسكم ) أي : أضررتم بأنفسكم ،
ووضعتم العبادة غير موضعها ( باتخاذكم العجل ) معبودا وظلمهم إياها فعلهم
بها ما لم يكن لهم أن يفعلوه مما يستحق به العقاب ، وكذلك كل من فعل فعلا
يستحق به العقاب ، فهو ظالم لنفسه ( فتوبوا إلى بارئكم ) أي : ارجعوا إلى
خالقكم ومنشئكم بالطاعة والتوحيد ، وجعل توبتهم الندم مع العزم ، وقتل
النفس جميعا . وهنا إضمار باختصار كأنه لما قال لهم فتوبوا إلى بارئكم ،
قالوا : كيف ؟ قال : ( فاقتلوا أنفسكم ) أي : ليقتل بعضكم بعضا بقتل البرئ
المجرم ، عن ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، وغيرهم . وهذا كقوله
سبحانه ( فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم ) أي ليسلم بعضكم على بعض
وقيل : معناه استسلموا للقتل ، فجعل استسلامهم للقتل قتلا منهم لأنفسهم على
وجه التوسع ، عن ابن إسحاق ، واختاره الجبائي .
واختلفوا في المأمور بالقتل : فروي أن موسى أمرهم أن يقوموا صفين ،
فاغتسلوا ولبسوا أكفانهم ، وجاء هارون باثني عشر ألفا ممن لم يعبدوا العجل ، ومعهم
الشفار المرهفة ( 1 ) ، وكانوا يقتلونهم . فلما قتلوا سبعين ألفا تاب الله على الباقين ،
وجعل قتل الماضين شهادة لهم . وقيل : إن السبعين الذين كانوا مع موسى في
الطور ، هم الذين قتلوا ممن عبد العجل سبعين ألفا . وقيل : إنهم قاموا صفين فجعل
يطعن بعضهم بعضا حتى قتلوا سبعين ألفا . وقيل : غشيتهم ظلمة شديدة ، فجعل
بعضهم يقتل بعضا ، ثم انجلت الظلمة فأجلوا عن سبعين ألف قتيل .
وروي أن موسى وهارون وقفا يدعوان الله ويتضرعان إليه ، وهم يقتل بعضهم
هامش
( 1 ) أرهف السيف : رقق حده .