وتفضيل الله إياهم في أشياء مخصوصة لا يوجب أن يكونوا أفضل الناس على
الإطلاق ، كما يقال : حاتم أفضل الناس في السخاء ونظير هذه الآية قوله ( وإذ
نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ) إلى قوله . ( وأنتم تنظرون ) .
فإن قيل : فما الفائدة في تكرار قوله : ( يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي
أنعمت عليكم ) ؟ قلنا : لأنه لما كانت نعم الله هي الأصل فيما يجب شكره ،
احتيج إلى تأكيدها ، كما يقول القائل اذهب اذهب ، عجل عجل . وقيل
أيضا : إن التذكير الأول ورد مجملا ، والثاني ورد مفصلا . وقيل : إنه في
الأول ذكرهم نعمه على أنفسهم ، وفي الثاني ذكرهم نعمه على آبائهم .
( واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ
منها عدل ولا هم ينصرون ( 48 ) ) .
القراءة : قرأ أهل مكة والبصرة : ( لا تقبل ) بالتاء . والباقون : بالياء .
الحجة : فمن قرأ بالتاء : ألحق علامة التأنيث لتؤذن بأن الاسم الذي
أسند إليه الفعل وهو الشفاعة مؤنث . ومن قرأ بالياء : فلأن التأنيث في الاسم
ليس بحقيقي ، فحمل على المعنى ، فذكر لأن الشفاعة والتشفع بمنزلة ، كما
أن الوعظ والموعظة والصيحة والصوت كذلك . وقد قال تعالى : ( فمن جاءه
موعظة ) و ( أخذ الذين ظلموا الصيحة ) . ويقوي التذكير أيضا أنه فصل بين
الفعل والفاعل بقوله ( منها ) . والتذكير يحسن مع الفصل كما يقال في التأنيث
الحقيقي : حضر القاضي اليوم امرأة .
اللغة : الجزاء ، والمكافأة ، والمقابلة : نظائر ، يقال : جزى يجزي
جزاء ، وجازاه مجازاة ، وفلان ذو جزاء أي : ذو غناء . فكان قوله : ( لا تجزي
نفس عن نفس شيئا ) أي : لا تقابل مكروهها بشئ يدرأه عنها . ومنه الحديث
أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لأبي بردة في الجذعة التي أمره أن يضحي بها : ولا تجزي عن أحد
بعدك . وقال : البقرة تجزي عن سبعة أي : تقضي وتكفي . قال أبو عبيدة : هو
مأخوذ من قولك جزا عني هذا الأمر . فأما قولهم أجزأني الشئ أي : كفاني
فمهموز . وقبول الشئ هو تلقيه ، والأخذ به ، خلاف الإعراض عنه ، ومن ثم قيل
تفسير مجمع البيان — صفحة 199
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص١٩٩