ثمّ أورد جواب السبكي وهو طويل ، جاء في آخره ما هذه ألفاظه :
فما بقي الحكم بالتكفير إلّا لمن [ صرّح بالكفر و ] اختاره دينا ، وجحد الشهادتين ، وخرج عن دين الإسلام جملة « 1 » . انتهى .
قلت : الظاهر من اختلاف عبارة السؤالين والجوابين كونهما متعدّدين ، كما لا يخفى .
وإذا كان كلام هذا الإمام الكبير معلنا باختصاص الكفر بمن جحد الشهادتين ، ومناديا بالتنزيه لأهل الأهواء والبدع ، والمتفوّهين بالكلام على الذات المقدّسة من أهل القبلة ، فأيّ وقع بعده لكلام المرجفين ، وتحكّم المشاغبين ؟ وإذا كان هذا حكمه في المتفوّهين بالكلام على اللّه - عزّ وجلّ - فما ظنّك بمن تاب وآمن وعمل صالحا ثمّ اهتدى ؟
وقال الشيخ الأكبر ابن العربي في باب الوصايا من فتوحاته :
إيّاكم ومعاداة أهل لا إله إلّا اللّه ؛ فإنّ لهم الولاية العامّة ، فهم أولياء اللّه ولو أخطؤوا وجاؤوا بقراب الأرض من الخطايا وهم لا يشركون باللّه شيئا ، فإنّ اللّه يتلقّى جميعهم بمثلها ( 1 ) مغفرة ، ومن ثبتت ولايته ، حرمت محاربته . وأطال - إلى أن قال - : وإذا عمل أحدكم عملا توعّد اللّه عليه بالنار ، فليمحه بالتوحيد ؛ فإنّ التوحيد يأخذ بناصية صاحبه ، لا بدّ من ذلك « 2 » .
شرح
( 1 ) هذا مأخوذ من حديث أخرجه الترمذي وصحّحه ، رواه بالإسناد إلى أنس قال : سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يقول : « قال اللّه تعالى : يا بن آدم ، إنّك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي . يا بن آدم ، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثمّ استغفرتني ، غفرت لك . يا بن آدم ، إنّك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثمّ لقيتني لا تشرك بي شيئا ، لآتيتك بقرابها مغفرة » « 3 » . انتهى .
وهذا الحديث ذكره الفاضل النووي في أربعينه « 4 » ، وهو الحديث الأخير ممّا انتخبه من الأحاديث الصحيحة .
هامش
( 1 ) - . المصدر : 22 .
( 2 ) - . الفتوحات المكّيّة 448 : 4 ، الباب 560 .
( 3 ) - . الجامع الصحيح 548 : 5 ، ح 3540 .
( 4 ) - . شرح الأربعين حديثا النوويّة : 163 ، الحديث 42 .