على عهد الشيوخ والعلماء والعظماء منهم ، وإنّما اجترأ على التحديث به وبأمثاله بعد موت أكثر الصحابة ، وفتح الشام والعراق ومصر وأفريقيا وفارس وغيرها من الأمصار ، حيث قلّت الصحابة وكثر مسلمو الفتوحات الذين لا إلمام لهم بشيء ممّا كان على عهد النبوّة ، فكأنّه حينئذ وسائر الكذابة وجدوا أنفسهم في عالم آخر لا يعرف شيئا ممّا كان في الصدر الأوّل ، ورأوا عالمهم الجديد يصدّقهم ويتعبّد بما سمعه منهم ، لكونهم في نظره من البقيّة الباقية من أصحاب رسول اللّه ، الامناء على سننه والموكول إليهم تبليغها ، وكانت السلطة الامويّة بذلت في تأييدهم جهدها ، فتسنّى لهم بهذه الأسباب كلّها أن يحدّثوا بما حدثّوا به من الواهيات والمنكرات ، وبما لا يجوز شرعا ، وبما لا يمكن عقلا ، وبكلّ سخافة ، وبكلّ باطل حسبما اقتضته أغراضهم ، أو أوجبته دعاية الظالمين الذين اتّخذوا دين اللّه دغلا ، وعباد اللّه خولا ، ومال اللّه دولا . وكانت هذه الكذابة قد اتّصلت بأسباب أولئك الغاشمين ، فتوسّلت إليهم بالطامّات ، فأرضعوها أخلاف برّهم ، وأوّلوها فوق ذلك أنّهم أنفقوا في تأييدها قواهم الجبّارة ، إذ كانت - ولا سيّما على عهد معاوية - أداة من أدواتهم ، بل كانت لسان دعايتهم ، وعين تجسّهم
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
« 1 » .
وإنّي وأيم اللّه لا ينقضي عجبي من البخاري ومسلم وأحمد وأمثالهم ممّن يرجعون إلى عقللا أصيل ورأي جميع ، ثمّ ينقادون انقياد الأكمه الأبله إلى ما يشاء أبو هريرة وأمثاله ، فهل في إمكانهم أن يعلموا متى سأله عليّ وعمر وعثمان وطلحة والزبير وغيرهم من أهل السوابق ؟ وهل كان سؤالهم إيّاه في اليقظة أو في النوم أو في عالم الخيال ؟ وأيّ حديث سألوه عنه ؟ ومن روى هذا عنهم غير أبي هريرة ؟ وأيّ
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 79 .