قال : قلت : تمر في مزود . قال : « جئ به » فأخرجت تمرا فأتيته به ، قال : فمسّه ودعافيه ، ثمّ قال : « ادع عشرة » فدعوت عشرة فأكلوا حتّى شبعوا ، ثمّ كذلك حتّى أكل الجيش كلّه وبقي من تمر معي في المزود ، فقال : « يا أبا هريرة ، إذا أردت أن تأخذ منه شيئا فأدخل يدك فيه ولا تكفه » قال : فأكلت منه حياة النبيّ ، وأكلت منه حياة أبي بكر كلّها ، وأكلت منه حياة عمر كلّها ، وأكلت منها حياة عثمان كلّها ، فلمّا قتل عثمان انتهب ما في يدي وانتهب المزود ، ألا أخبركم كم أكلت منه ؟ أكلت منه أكثر من مائتي وسق .
قلت : لا ريب في أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم كان يطعم الجمّ الغفير من الزاد اليسير في كثير من أيّامه المباركة ، وذلك من أعلام نبوّته وآيات رسالته ، لكن هذا الحديث بالخصوص ممّا صنعته يدا أبي هريرة مدلّا على السواد من أحزاب بني اميّة ، والغوغاء من أشياعهم العاكفين على قميص عثمان ، وأصابع زوجته بالبكاء والعويل ؛ ليستنهض معروفهم ، ويجتدي برّهم ، وهذا من أساليبه المدهشة في تزلّفه إلى بني اميّة وامتياح فضلهم .
وممّا يدلّك على وضعه أنّ أبا هريرة كان يتلوّن فيه تلوّن الحرباء ، ويتطوّر في نقله على أنحاء ، كما يعلمه متتبّعو طرق المزود في مسانيد السنّة وكتبها ( 1 ) .
شرح
( 1 ) حديث المزود أخرجه الإمام أحمد بن حنبل من طريقين ، وأبو بكر البيهقي من طريقين آخرين « 1 » ، وأخرجه غيرهما « 2 » من طرق اخر . فليراجعها من أراد الوقوف على ما فيها من التهافت والتناقض الحاكمين بسقوطها . وقد أورد ابن كثير جملة منها في ص 116 من الجزء السادس من البداية والنهاية « 3 » .
هامش
( 1 ) - . مسند أحمد 267 : 3 - 268 ، ح 8636 ؛ دلائل النبوّة 109 : 6 .
( 2 ) - . كأبي عيسى في الجامع الصحيح 685 : 5 ، ح 3839 .
( 3 ) - . البداية والنهاية 128 : 6 - 129 ، ذكر مزودة أبي هريرة .