وقد تعلم أنّ هذا الحديث والذي قبله إنّما هما من مخيّلة أبي هريرة ، يمثّل بهما حسن عواقب العطف والحنان ، ويحضّ بهما على البرّ والإحسان .
39 . مسرف كافر غفر له
أخرج مسلم عن معمر ، قال : قال لي الزهري : ألا احدّثك بحديثين عجيبين ؟ ( 1 ) أخبرني حميد بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، عن النبيّ قال : « أسرف رجل على نفسه ، فلمّا حضره الموت أوصى بنيه ، فقال : إذا أنا متّ فأحرقوني ، ثمّ اسحقوني ، ثمّ اذروني في الريح في البحر ، فو اللّه لئن قدر عليّ ربّي ( 2 ) ليعذّبني عذابا ما عذّب به أحدا ، ففعلوا ذلك به ، فقال اللّه للأرض : أدّي ما أخذت ، فإذا هو قائم ، فقال له : ما حملك على ما صنعت ؟ فقال : مخافتك يا ربّ ، فغفر له بذلك » .
قال الزهري : وحدّثني حميد بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم قال : « دخلت امرأة النار في هرّة ربطتها ، فلا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض » ( 3 ) . الحديث .
قلت : أمّا المرأة ذات الهرّة فإن كانت مؤمنة ، كانت - كما قالت عائشة - أكرم على اللّه من يعذّبها في النار بهرّة ، وإن كانت كافرة فإنّما تعذّب بكفرها .
شرح
( 1 ) يحقّ للزهري أن يعجب من هذين الحديثين ، وأولو الألباب كلّهم يعجبون منهما .
( 2 ) تأمّل كلمته هذه تجدها صريحة بأنّه كان لا يؤمن بأنّ ربّه قادر على بعثه بعد إنجاز وصيّته ، فهو كافر بذلك .
( 3 ) تجده في ص 444 من الجزء الثاني من صحيح مسلم في باب سعة رحمة اللّه وأنّها سبقت غضبه ، من كتاب التوبة « 1 » .
هامش
( 1 ) - . صحيح مسلم 2110 : 4 ، كتاب التوبة ، ح 25 .