هذه هي الغاية في الأخلاق طبع اللّه عليها عبده وخاتم رسله ، فكان صلى الله عليه وآله وسلم يمثّلها في هديه منذ قال في مبدأ أمره - ودم جبهته يسيل على وجهه ولحيته - : « اللهمّ اهد قومي فإنّهم لا يعلمون » « 1 » إلى أن نادى مناديه يوم الفتح - وكان في منتهى عمره - : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن « 2 » .
أرهف اللّه عزائمه ، وشحذ هممه للأخذ بهذه التعاليم ، وحمله على هذه الأخلاق بكلّ أسلوب يأخذ إليها بالأعناق ، ألا تراه - جلّ وعلا - كيف لم يكتف ببعثه عليها حتّى شوّقه إليها ، وبلغ الغاية في تحظيضه عليها ، فقال - وهو أصدق القائلين - : «
وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ
» « 3 » .
ثمّ لم يقف على هذا الحدّ في إرهاف عزيمته حتّى حذّره ممّا طبع البشر عليه من فورة تكون في النفس ، ونزغة - أي نخسة - تكون في القلب ، عند هجوم الأذى الممضّ من العدوّ الملحّ ، وسمّى تلك النخسة البشريّة نزغا من الشيطان على سبيل المجاز ، تنفيرا منها وتنزيها عنها ، فقال : «
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ
» « 4 » أي : وإمّا ينخسنّك من الغضب الذي طبع عليه البشر نخس يشبه نزغ الشيطان في تضييق الصدر ، وتوهين عرى الصبر «
فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ
» . ونظير هذه الآية قوله - عزّ من قائل - في سورة الأعراف : «
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
» « 5 » .
فإنّ اللّه - عزّ وجلّ - أراد صيانة حبيبه عن مقابلة الجاهلين الذين قامت عليهم الحجّة
هامش
( 1 ) - . راجع : تاريخ مدينة دمشق 247 : 62 ، الرقم 7932 ؛ الجواهر الحسان في تفسير القرآن للثعالبي 288 : 1 ، ذيل الآية 128 من سورة آل عمران 3 ؛ فتح القدير 61 : 2 ، ذيل الآية 67 من سورة المائدة 5 .
( 2 ) - . مسند أحمد 146 : 3 ، ح 7927 .
( 3 ) - . فصّلت 35 : 41 .
( 4 ) - . فصّلت 36 : 41 .
( 5 ) - . الأعراف 199 : 7 - 200 .