وقد اعتذر بعضهم بأنّ الصحابي قد يروي ما لا يحضره بأن يسمعه من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أو من صحابيّ آخر ، وعلى هذا لا يكون موت ذي اليدين قبل إسلام أبي هريرة مانعا من رواية أبي هريرة لهذا الحديث .
لكن هذا الاعتذار غلط محض ؛ لأنّ دعوى الحضور من أبي هريرة محفوظة ثابتة برواية الثقات الحفظة الأثبات ، وحسبك في إثباتها ما أخرجه البخاري فيما جاء في السهو من صحيحه ( 1 ) عن آدم بن شعبة ، عن سعد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : صلّى بنا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الظهر أو العصر ، وساق حديث ذي اليدين .
وأخرج مسلم في باب السهو في الصلاة والسجود له من صحيحه ( 2 ) عن محمّد بن سيرين قال : سمعت أبا هريرة يقول : صلّى بنا رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم إحدى صلاتي العشيّ - إمّا الظهر وإمّا العصر - وساق الحديث .
وقد ارتبك الإمام الطحاوي في هذه الأحاديث ؛ لبنائه على صحّتها ، مع جزمه بما جزم به الإمام الزهري من أنّ ذا اليدين إنّما هو ذو الشمالين ، حليف بني زهرة المستشهد في بدر قبل إسلام أبي هريرة بأكثر من خمس سنين ، فلا يمكن اجتماعهما في الصلاة أبدا ؛ لذلك اضطرّ إلى التأويل ، فحمل - كما في ص 266 من الجزء الثالث من إرشاد الساري في شرح البخاري للقسطلاني « 1 » - قول أبي هريرة في هذه الأحاديث :
صلّى بنا . على المجاز ، وأنّ المراد : صلّى بالمسلمين .
شرح
( 1 ) راجع الباب الثالث من أبواب ما جاء في السهو ، وهو باب إذا سلّم في ركعتين أو في ثلاث فسجد سجدتين ، مثل سجود الصلاة أو أطول ، ص 145 من جزئه الأوّل « 2 » .
( 2 ) ص 215 من جزئه الأوّل « 3 » .
هامش
( 1 ) - . إرشاد الساري 363 : 2 .
( 2 ) - . صحيح البخاري 411 : 1 - 412 ، ح 1169 .
( 3 ) - . صحيح مسلم 403 : 1 ، كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، ح 97 .