وقد ارتج على العلماء الأعلام باب الاعتذار عن أبي هريرة في هذا التهافت ، لكن ابن حجر القسطلاني والشيخ زكريّا الأنصاري قد اعتذرا عند انتهائهما إلى هذا الحديث في شرحيهما ( 1 ) بأنّ عبداللّه بن عمرو بن العاص سكن مصر ، وكان الواردون إليها قليلا ، فقلّت روايته ، بخلاف أبي هريرة ، فإنّه استوطن المدينة ، وهي مقصد المسلمين من كلّ جهة ، فكثرت روايته .
وأنت تعلم أنّ كلام أبي هريرة بظاهره ، بل بصريحه ، يحبط هذا الاعتذار ، ألاتراه يقول : ما من أصحاب النبيّ أحد أكثر حديثا عنه منّي إلّا ما كان من عبداللّه بن عمرو ؛ فإنّ معناه - كما في إرشاد الساري وفي تحفة الباري كليهما - ما أحد من أصحاب النبيّ حديثه أكثر من حديثي إلّا أحاديث حصلت من عبداللّه ، فإنّها أكثر من حديثي . وإذا كان الرجل يعترف بأنّ الأحاديث التي حصلت من عبداللّه أكثر من حديثه فأيّ وجه لما اعتذر به الشارحان ؟ !
على أنّ مقام عبداللّه في مصر كان أدعى لكثرة روايته ؛ إذ كان له ثمّة المكانة العالية والمنزلة السامية ، حيث لم يكن هناك سواه ممّن تعرفهم الناس من الصحابة إلّا نزر يسير ، أو عابر سبيل ، لذلك تبوّأ مقام المرجع الوحيد في شرائع الإسلام وعلوم الكتاب والسنّة . وشتّان بين مقامه في مصر ، ومقام أبي هريرة في المدينة ؛ إذ كان لعبداللّه في نفوس أهل مصر منزلة العالم المرشد الصدوق ، وابن الحاكم الفاتح عنوة .
شرح
( 1 ) وهما إرشاد الساري للقسطلاني ، وتحفة الباري « 1 » لزكريّا الأنصاري ، وقد طبعا معا في اثني عشر جزءا ، ووضع بالهامش متن صحيح مسلم وشرحه للنووي . والعذر المذكور تجده في ص 373 من الجزء الأوّل .
هامش
( 1 ) - . إرشاد الساري 206 : 1 .