فؤاده وزلزل أقدامه ، وكان في أوّل تلك الفتنة لا يشكّ بأنّ العاقبة ستكون لعليّ فضرب الأرض بذقنه ، قابعا في زوايا الخمول ، يثبّط الناس عن نصرة أمير المؤمنين بما يحدّثهم به سرّا ، وكان ممّا قاله يومئذ : سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يقول : « ستكون فتنة ، القاعد فيها خير من القائم ، والقائم خير من الماشي ، والماشي خير من الساعي ، ومن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به » ( 1 ) .
ولم يزل كذلك حتّى خرجت الخوارج على أمير المؤمنين ، واختلف الناس عليه في العراق ، واستفحل أمر معاوية باستيلائه على مصر ، وقتله محمّد بن أبي بكر ، وعيثه في بلاد أمير المؤمنين ، وشنّه الغارات عليها ، وبعثه بسرا في ثلاثة آلاف إلى الحجاز واليمن ؛ عيثا في الأرض وفسادا ، وتنكيلا بعباد اللّه وتقتيلا ، وتحريقا لهم وتمزيقا ، وانتهاكا لحرمات اللّه ، وهتكا لإمائه ، وسبيا لذراري المؤمنين من عباده ، وعبرة للناظرين ، ومثلا واحدوثة في الغابرين .
وفي ختام هذه الفظائع أخذ البيعة لمعاوية من أهل الحجاز واليمن عامّة ( 2 ) ، فعندها
شرح
( 1 ) أخرجه أحمد بن حنبل من حديث أبي هريرة في ص 282 من الجزء الثاني من مسنده « 1 » ، وهو من الأباطيل بدليل قوله تعالى : «فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ» « 2 » .
( 2 ) من أراد الوقوف على تفصيل هذه الفظائع والفجائع فعليه بص 116 حتّى ص 121 من المجلّد الأوّل من شرح النهج الحميدي « 3 » ، على أنّ كلّ من أرّخ حوادث سنة الأربعين ذكرها ، كابن جرير وابن الأثير وغيرهما « 4 » ، وهي من القضايا الثابتة من أفعال معاوية ثبوت وقعتي الحرّة والطفّ من ولده يزيد .
هامش
( 1 ) - . مسند أحمد 124 : 3 ، ح 7801 .
( 2 ) - . الحجرات 9 : 49 .
( 3 ) - . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 : 2 - 18 .
( 4 ) - . تاريخ الطبري 106 : 4 - 107 ، حوادث سنة 40 ؛ الكامل في التاريخ 383 : 3 - 385 ، حوادث سنة 40 . راجع أيضا الإصابة 421 : 1 - 422 ، الرقم 642 .