[ ما رواه متناقضا ]
وهنالك لون آخر في حديثه يريك التناقض بأجلى مظاهره ، فانظر إلى حديثي أبي سلمة عنه في العدوي إذ نفاها في الأوّل منهما ، وأثبتها في الثاني ، فناقشه أبو سلمة قائلا له : يا أبا هريرة ، ألم تحدّث أنّه لا عدوى ؟ فأنكر حديثه الأوّل ورطن بالحبشيّة « 1 » .
وانظر إلى حديثه عن طواف سليمان - على زعمه - بنسائه تجده متعارضا متناقضا ، فتارة روى : أنّهنّ مائة ، وأخرى روى : أنّهنّ تسعون ، ومرّة روى : أنّهنّ سبعون ، وأخرى : أنّهنّ ستّون « 2 » ، وكلّ ذلك ثابت عنه في الصحاح .
وانظر إلى أحاديثه في هجرته تجدها صريحة بأنّه إنّما هاجر مسكينا حافيا طاويا خادما يخدم هذا وهذه بشبع بطنه « 3 » ، فمن أين له الغلام الذي حدّث عنه في الشام ؟ إذ قال - على عهد معاوية - : لمّا قدمت على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أبق غلام لي في الطريق ، فبينا أنا عند رسول اللّه أبايعه إذ طلع الغلام ، فقال لي النبيّ : « يا أبا هريرة ، هذا غلامك ؟ » قلت :
هو لوجه اللّه ، فأعتقته « 4 » .
وانظر إلى أحاديثه عن نفسه - وهو في الصفّة - تجدها صريحة بأنّه إنّما كان من مساكينها المعدمين ، وقد استوطنها طيلة عمر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، فكانت مثواه ليلا ونهارا ، إذ لم يكن له في المدينة عشيرة ولا منزل سواها ، ولم يكن عليه إلّا نمرة « 5 » يدبّ القمّل عليها كان يربطها في عنقه فتبلغ ساقيه ، فيجمعها بيده لئلّا تبدو عورته « 6 » . وكان يصرعه
هامش
( 1 ) - . راجع الفصل 11 ، الحديث 28 .
( 2 ) - . للمزيد راجع الفصل 11 ، الحديث 6 .
( 3 ) - . راجع الفصل 3 .
( 4 ) - . راجع الفصل 11 ، الحديث 32 .
( 5 ) - . النمرة : بردة من صوف مخطّطة بخطوط سود وبيض . لسان العرب 236 : 5 ، « ن . م . ر » .
( 6 ) - . راجع الفصل 15 ، الوجه الخامس .