تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ميزان الحكمة — صفحة 3013

مساهمون:

ص٣٠١٣

ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط * الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور ) * ( 1 ) والآيات كما ترى تنسب الهداية إلى القرآن وإلى الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في عين أنها ترجعها إلى الله سبحانه ، فهو الهادي حقيقة وغيره سبب ظاهري مسخر لإحياء أمر الهداية . وقد قيد تعالى قوله : * ( يهدي به الله ) * بقوله : * ( من اتبع رضوانه ) * ويؤول إلى اشتراط فعلية الهداية الإلهية باتباع رضوانه ، فالمراد بالهداية هو الإيصال إلى المطلوب ، وهو أن يورده الله تعالى سبيلا من سبل السلام أو جميع السبل أو أكثرها واحدا بعد آخر . وقد أطلق تعالى السلام ، فهو السلامة والتخلص من كل شقاء يختل به أمر سعادة الحياة في دنيا أو آخرة ، فيوافق ما وصف القرآن الإسلام لله والإيمان والتقوى بالفلاح والفوز والأمن ونحو ذلك ، وقد تقدم في الكلام على قوله تعالى : * ( اهدنا الصراط المستقيم ) * ( 2 ) في الجزء الأول من الكتاب أن الله سبحانه بحسب اختلاف حال السائرين من عباده سبلا كثيرة تتحد الجميع في طريق واحد منسوب إليه تعالى يسميه في كلامه بالصراط المستقيم قال تعالى : * ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ) * ( 3 ) ، وقال تعالى : * ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) * ( 4 ) فدل على أن له سبلا كثيرة ، لكن الجميع تتحد في الإيصال إلى كرامته تعالى من غير أن تفرق سالكيها ويبين كل سبيل سالكيه عن سالكي غيره من السبل كما هو شأن غير صراطه تعالى من السبل . فمعنى الآية - والله العالم - : يهدي الله سبحانه ويورد بسبب كتابه أو بسبب نبيه من اتبع رضاه سبلا من شأنها أنه يسلم من سار فيها من شقاء الحياة الدنيا والآخرة ، وكل ما تتكدر به العيشة السعيدة . فأمر الهداية إلى السلام والسعادة يدور مدار اتباع رضوان الله ، وقد قال تعالى : * ( ولا يرضى لعباده الكفر ) * ( 5 ) ، وقال : * ( فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين ) * ( 6 ) ويتوقف بالأخرة على اجتناب سبيل الظلم والانخراط في سلك الظالمين ، وقد نفى الله سبحانه عنهم هدايته وآيسهم من نيل هذه الكرامة الإلهية بقوله : * ( والله لا يهدي القوم الظالمين ) * ( 7 ) فالآية - أعني قوله : * ( يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ) * تجري بوجه مجرى قوله : * ( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ) * ( 8 ) ( 9 ) .

هامش
( 1 ) الشورى : 52 ، 53 . ( 2 ) الحمد : 6 . ( 3 ) العنكبوت : 69 .
( 4 ) الأنعام : 153 . ( 4 ) الزمر : 7 . ( 6 ) التوبة : 96 . ( 7 ) الجمعة : 5 . ( 8 ) الأنعام : 82 . ( 9 ) الميزان : 5 / 244 .
ميزان الحكمة — صفحة 3013 | محمد الريشهري / مؤسسة دار الحديث الثقافية