ولكن بغض النظر عن هذه الناحية ، لو نظرنا إلى ملابسات هذه القضية والقرائن
الداخلية في ألفاظ الخبر ، وأيضا القرائن الخارجية التي لها علاقة بهذا الخبر ، لرأيتم أن
إرسال أبي بكر إلى الصلاة كان بإيعاز من عائشة نفسها ، ولم يكن من رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .
فمن جملة القرائن المهمة التي لها الأثر البالغ في فهم هذه القضية : قضية أمر رسول
الله بخروج القوم مع أسامة ، قضية بعث أسامة ، وتأكيده ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على هذا البعث إلى آخر
لحظة من حياته المباركة .
أما أن النبي كان يؤكد على بعث أسامة ، وإلى آخر لحظة من حياته ، فلم يخالف فيه
أحد ، ولا خلاف فيه أبدا ، وهو مذكور في كتبنا وفي كتبهم ، فلا خلاف في هذا .
وأما أن كبار الصحابة وعلى رأسهم أبو بكر وعمر كانا في هذا البعث ، فهذا أيضا
ثابت بالكتب المعتبرة التي نقلت هذا الخبر ، فكيف يأمر رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بخروج أبي بكر
في بعث أسامة ، ويؤكد على خروجه إلى آخر لحظة من حياته ، ومع ذلك يأمر أبا بكر أن
يصلي في مكانه ؟
وهنا يضطر مثل ابن تيمية لأن ينكر وجود أبي بكر في بعث أسامة ، ويقول هذا
كذب ، لأنه يعلم بأن وجود أبي بكر في بعث أسامة ، يعني كذب خبر إرسال أبي بكر إلى
الصلاة ، ولكن مسألة الصلاة من أهم أدلتهم على إمامة أبي بكر ، إذن ، لا بد من الإنكار
والحال أن وجود أبي بكر في بعث أسامة لا يقبل الإنكار .
أنقل لكم عبارة واحدة فقط ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتاب فتح
الباري بشرح البخاري :
قد روى ذلك - أي كون أبي بكر في بعث أسامة - الواقدي ، وابن سعد ، وابن إسحاق ،
وابن الجوزي ، وابن عساكر ، وغيرهم ( 1 ) . أي : وغيرهم من علماء المغازي والحديث .
ولذا لما توفي رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان أسامة بجيشه في خارج المدينة ، ولذا لما ولي
هامش
( 1 ) فتح الباري في شرح صحيح البخاري 8 / 124 .