تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محاضرات في أصول الفقه تقرير أبحاث السيد أبو القاسم الخوئي — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
وهذا معنى تقديم الأهم على المهم . وأمثلة ذلك في الشرع والعرف كثيرة : منها : ما إذا دار الأمر بين حفظ بيضة الإسلام - مثلا - وواجب آخر ، فلا إشكال في تقديم الأول على الثاني في مقام الامتثال . ومنها : ما إذا دار الأمر بين حفظ نفس مؤمن - مثلا - وحفظ ماله أو نحوه فلا ينبغي الشك في تقديم الأول على الثاني ، لكونه أهم منه ، وهكذا . . . وأما في الصورة الأخيرة فالأمر أيضا كذلك . والوجه فيه : هو أن الأهم وإن كان متأخرا عن المهم زمانا إلا أن ملاكه بما أنه تام في ظرفه وأهم من غيره فلا محالة وجب حفظ القدرة عليه في وقته لئلا يفوت ، ضرورة أن العقل كما يستقل بقبح تفويت الواجب الفعلي كذلك يستقل بقبح تفويت الملاك الملزم في ظرفه . وعلى هذا حيث إن الإتيان بالمهم فعلا يوجب تفويت ملاك الأهم في ظرفه فلا يجوز ، فيكون حكم العقل بوجوب حفظ القدرة عليه في زمانه معجزا للمكلف بالإضافة إلى امتثال المهم بالفعل . وبتعبير ثان : أن الحاكم بالترجيح في باب المزاحمة حيث إنه كان هو العقل لا غيره فمن الواضح جدا أنه مستقل بتقديم الأهم على المهم في مقام الامتثال مطلقا ، ولو كان الأهم متأخرا عنه زمانا - كما في مفروض المقام - فإنه يحكم بلزوم حفظ القدرة على امتثاله في ظرفه ، لئلا يلزم منه تفويت الملاك الملزم فيه ، ولا يحكم بلزوم الإتيان بالمهم فعلا ، بل يحكم بعدم جواز الإتيان به ، لاستلزامه تفويت ما هو الأهم منه . ومثاله : ما إذا دار الأمر بين حفظ مال الإنسان - مثلا - فعلا وحفظ نفسه في زمان متأخر ، بأن لا يقدر على حفظ كليهما معا ، فلو صرف قدرته في حفظ ماله فعلا فلا يقدر على حفظ نفسه ، ولو عكس فبالعكس ، كما إذا فرض أن الحاكم حكم بمصادرة أمواله فعلا ، وهو وإن كان قادرا على حفظ ماله بالشفاعة عنده إلا أنه يعلم بأنه يحكم بعد بضع ساعات بقتل نفسه ، فلو توسط عنده فعلا لحفظ ماله فلا يقبل توسطه فيما بعد لحفظ نفسه ، لفرض أنه لا يقبل توسطه في اليوم إلا مرة