تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محاضرات في أصول الفقه تقرير أبحاث السيد أبو القاسم الخوئي — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
من ناحية أن القدرة الواحدة لا تفي لامتثال كليهما معا ، وعليه فلا محالة كان إعمالها في امتثال هذا موجبا لانتفاء فعلية ذاك بانتفاء موضوعه وهو القدرة ، لا أنه يوجب انتفاءه مع بقاء موضوعه كما هو الحال في موارد المعارضة بين الدليلين ، وقد ذكرنا غير مرة : أن الحكم يستحيل أن يقتضي وجود موضوعه ، فلا هذا يقتضي وجود القدرة ولا ذاك لتقع المصادمة بين اقتضائهما إيجاد القدرة ، بل كل واحد منهما بالإضافة إلى إيجادها وتحققها في الخارج لا اقتضاء . وعليه فبما أن المكلف قادر على امتثال كل واحد منهما في نفسه مع قطع النظر عن الآخر فلا محالة يقتضي كل منهما إعمال القدرة في امتثاله ، وحيث إن المكلف لا يقدر على امتثال كليهما معا فتقع المزاحمة بين اقتضاء هذا لامتثاله واقتضاء ذاك . وقد تحصل مما ذكرناه : أن المنشأ الأساسي لوقوع التزاحم بين تكليفين نقطتان : الأولى : جعل الشارع كلا التكليفين معا وفي عرض واحد ، ولازم ذلك هو اقتضاء كل منهما لامتثاله في عرض اقتضاء الآخر له . الثانية : عدم قدرة المكلف على الجمع بينهما في مرحلة الامتثال ، فإذا تحققت هاتان النقطتان تحققت المزاحمة بينهما لا محالة ، وأما إذا انتفت إحداهما - كما إذا لم يجعل الشارع إلا أحدهما دون الآخر ، أو كان المكلف قادرا على امتثال كليهما معا - فلا مزاحمة أصلا . وعلى أساس هذا البيان قد ظهر أمور : الأول : أن المزاحمة بين التكليفين إنما تكون بالإضافة إلى من لم يقدر على الجمع بينهما في مقام الامتثال ، وأما مع القدرة عليه فلا مزاحمة بينهما أبدا ، بل كلا التكليفين يكون فعليا من دون أية منافاة بينهما . الثاني : أن التزاحم بين الحكمين إنما هو في مرتبة متأخرة عن مرتبة جعلهما ، وهي مرتبة الامتثال وحكم العقل بلزومه . ومن هنا قلنا : إن في باب التزاحم لا تنافي في مقام الجعل أصلا .
محاضرات في أصول الفقه تقرير أبحاث السيد أبو القاسم الخوئي — صفحة 217 | الشيخ محمد إسحاق الفياض