تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التوحيد — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢
قدر الرزق كيف فرقه . فلم يجعل مما لا يقدر عليه ، إذ جعل بالخلق حاجة إليه ، ولم يجعل مبذولا ينال بالهوينا ( 1 ) إذ كان لا صلاح ذلك فإنه لو كان يوجد مجموعا معدا كانت البهائم تنقلب عليه ، ولا تنقلع عنه حتى تبشم ( 2 ) فتهلك . وكان الناس أيضا يصيرون بالفراغ إلى غاية الأشر والبطر ، حتى يكثر الفساد وتظهر الفواحش . ( معاش البوم والهام والخفاش ) أعلمت ما طعم هذه الأصناف من الطير التي لا تخرج إلا بالليل ، كمثل البوم والهام ( 3 ) والخفاش ؟ . . . قلت : لا يا مولاي . قال : إن معاشها من ضروب تنتشر في الجو من البعوض والفراش وأشباه الجراد واليعاسيب ( 4 ) . وذلك أن هذه الضروب مبثوثة في الجو لا يخلو منها موضع . . واعتبر ذلك بأنك إذا وضعت سراجا بالليل في سطح أو عرصة دار ، اجتمع عليه من هذه الضروب شئ كثير . . فمن أين يأتي ذلك كله ، إلا من القرب ؟ فإن قال قائل : إنه يأتي من الصحارى والبراري ، قيل له : كيف يوافي تلك الساعة من موضع بعيد ، وكيف يبصر من ذلك البعد سراجا في دار محفوفة بالدور فيقصد إليه ، مع أن هذه عيانا تتهافت على السراج من قرب ، فيدل ذلك على أنها منتشرة في كل
هامش
( 1 ) الهوينا : التؤدة والرفق ، وهي تصغير الهونى ، والهونى تأنيث الأهون . . . وقد كتبت الهوينا في الأصل هكذا : الهويني . ( 2 ) تبشم أي تتخم من الطعام . ( 3 ) الهام جمع هامة : نوع من البوم الصغير تألف القبور والأماكن الخربة وتنظر من كل مكان أينما درت أدارت رأسها ، وتسمى أيضا الصدى . ( 4 ) اليعاسيب جمع يعسوب وهو ذكر النحل وأميرها .