ولا يصح نسبته في الحقيقة الا لما بطن من كل ما ظهر ، ونسبة الظهور والبطون تتعينان
بمدارك المدركين وبحسب أحوالهم ، وبالمدرك الواحد أيضا إذا اختلفت أحوال صاحبه كان
من كان ، وكل ما لا يدركه المدرك بذاته ، بل بصفة أو حالة متعينة ومنضبطة أو آلة ،
فللمدرك - اسم مفعول - ضرب من التعين والظهور لا محالة ، فهو من وجه مجلي ومظهر
كما مر ، فافهم واذكر .
وما يدركه الانسان بمحض حقيقته دون ضميمة صفة متعلقة أو حالة متعينة أو
آلة ، فقد يكون متعينا وقد يكون مطلقا عن حصر التعين والانضباط ، لكمال بساطته
وصرافته وتنزهه عن حيطة المدارك والتناهي ، وانما أمكن هذا النوع من الادراك للانسان
لان أحد وجهي حقيقته التي هي مراة الحضرتين الإلهية والمسماة كونية هذا الحكم ، فيدرك
بالمحاذاة الصحيحة وزوال الحجب الحائلة بينه وبين ما شأنه ما ذكر بما شأنه ما ذكر من نفسه ،
كما سننبه عليه عن قريب إن شاء الله .
وبعد ان علمت بما فهمت ان الأثر لما بطن فيما ظهر منه وفيه فاعلم : ان كل ما تعدد
فهو تفصيل حكم أحوال الحق ظهرت في وجوده ، مع أن ما بطن من حيث وحدته عين
الوجود أيضا ، لكن دون تعين بمظهر ، فافهم ما ذكر لك وأضفه إلى ما سبق ذكره
آنفا وفي أول الكتاب ، تعرف الأثر وسره والمؤثر والمتأثر ولمن تصح نسبته ومتى تصح
ومن أي وجه يمكن ومن ايه لا ، وتعرف سر قول من قال : إن الحق قادر بالذات وان
قدرته عين ذاته .
ومن زعم أن القدرة غير وزائدة ، ومن أثبت الافعال للعباد ومن نفاها .
وترى حينئذ - ان عرفت ما ذكر لك حق المعرفة - إصابة كل طائفة من وجه ، مع
رؤيتك انه قد فاتها جلية الامر ومعرفة علته وسببه ، تعرف أيضا عذر أصحاب
مفتاح الغيب — صفحة 121
مساهمون: أبي المعالي القونوي
ص١٢١