فهلك - المجرم - في الطريق ، وتأمّر بعده الحصين بن نمير بعهد من يزيد ، فأقبل بجيشه حتّى نزل على مكّة المكرّمة ، ونصب عليها العرّادات « 1 » والمجانيق ، وفرض على أصحابه عشرة آلاف صخرة في كلّ يوم يرمونها بها ، فحاصروهم بقيّة المحرّم وصفر وشهري ربيع ، يغدون على القتال ويروحون ، حتّى جاءهم موت طاغيتهم يزيد ، وكانت المجانيق أصابت البيت الحرام فهدمته مع الحريق الذي أصابه « 2 » .
وفظائع يزيد من أوّل عمره إلى انتهاء أمره أكثر من أن تحويها الدفاتر ، أو تحصيها الأقلام والمحابر ، وقد شوّهت وجه التاريخ ، وسوّدت صحائف السير . وكان أبوه معاوية يرى كلابه وقروده وصقوره وفهوده ، ويطّلع على خموره وفجوره ، ويشاهد الفظائع من أموره ، ويعاين لعبه مع الغواني ، ويعرف لؤمه وخبثه بكلّ المعاني ، ويعلم أنّه ممّن لا يؤتمن على نقير « 3 » ، ولا يولّى أمر قطمير ، فكيف رفعه - والحال هذه - إلى أوج الخلافة عن رسول اللّه ؟ ! ! وأحلّه عرش الملك وإمامة المسلمين ؟ ! وملّكه رقاب الامّة ؟ ! فغشّها بذلك . وقد قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم - فيما أخرجه البخاري في الورقة الأولى من كتاب الأحكام ص 155 من الجزء 4 من صحيحه « 4 » - : « ما من وال يلي رعيّة من المسلمين فيموت وهو غاشّ لهم إلّا حرّم اللّه عليه الجنّة » ( 1 ) . انتهى .
شرح
( 1 ) وأخرجه مسلم في باب استحقاق الو إلي الغاشّ لرعيّته ص 67 من الجزء الأوّل من صحيحه « 5 » .
هامش
( 1 ) - . العرّادة : آلة من آلات الحرب القديمة ، وهي منجنيق صغير . المعجم الوسيط : 592 ، « ع . ر . د » .
( 2 ) - . الإمامة والسياسة 12 : 2 ؛ تاريخ الطبري 494 : 5 - 498 حوادث سنة 64 ؛ الكامل في التاريخ 123 : 4 - 124 ، حوادث سنة 64 ؛ نهاية الأرب : 496 - 497 .
( 3 ) - . النقير : خشبة تنقر فيتّخذ فيها نبيذ من التمر ونحوه . ويضرب به المثل في الشيء الضعيف . المعجم الوسيط : 945 ، « ن . ق . ر » .
( 4 ) - . صحيح البخاري 2614 : 6 ، ح 6731 . وفيه : « ما من عبد يسترعيه اللّه رعيّة ، فلم يحطها بنصحه . . . » .
( 5 ) - . صحيح مسلم 125 : 1 ، كتاب الإيمان ، ح 227 .